
بين مياه الفيضانات وعودة الحياة: القصر الكبير تستعد لاستقبال سكانها بعد أسبوعين من النزوح الجماعي
الرباط: ريم بنكرة
في مشهد يعكس هشاشة التوازن بين قسوة الطبيعة وإرادة الحياة، تستعد مدينة القصر الكبير لاستقبال سكانها الذين أجبرتهم مياه الفيضانات على النزوح نحو مدن الشمال منذ أسبوعين.
العودة المرتقبة، التي ستبدأ غدا الأحد بشكل تدريجي، تحمل في طياتها أكثر من مجرد انتقال جغرافي؛ إنها اختبار حقيقي لقدرة السلطات والمجتمع على التعامل مع تداعيات كارثة طبيعية كشفت عن هشاشة البنية التحتية وضعف التخطيط الحضري في مواجهة التغيرات المناخية المتسارعة. فبينما تستعد المحلات التجارية والمطاعم لفتح أبوابها، ويعود السوق الأسبوعي “أولاد احمايد” للحركة، يظل السؤال الأهم معلقا في الهواء: كيف يمكن لمدينة عادت لتوها من كارثة أن تستعد لمواجهة فيضانات المستقبل؟
المشهد الحالي في القصر الكبير يثير العديد من التساؤلات حول جاهزية المدن المغربية لمواجهة الكوارث الطبيعية. فبينما تستعد السلطات لترتيب عودة السكان عبر حافلات مكوكية من مدن اللجوء المؤقت مثل العرائش وأصيلة وطنجة وتطوان، تبقى الأحياء المنخفضة والمناطق القريبة من وادي اللوكوس خارج خطة العودة المباشرة، مما يعني أن آلاف الأسر ستظل معلقة بين رغبتها في العودة وخوفها من تكرار الكارثة. هذه الاستثناءات، وإن كانت منطقية من الناحية العملية، تعيد طرح إشكالية التوسع العمراني العشوائي في المناطق المهددة بالفيضانات، وهو تحدٍ تواجهه العديد من المدن المغربية التي تدفع ثمنا باهظا لإهمال الاشتراطات البيئية والطبيعية في مخططاتها التنموية.
المقارنة مع مدن أخرى عانت من كوارث مماثلة، سواء داخل المغرب أو خارجه، تكشف أن مرحلة ما بعد الكارثة لا تقل خطورة عن لحظة وقوعها.
فبينما تعلن السلطات عن خطة للعودة التدريجية، يظل التحدي الأكبر في قدرتها على استعادة الثقة بين المواطنين الذين عايشوا لحظات رعب حقيقية عندما حولت الأمطار الغزيرة شوارعهم إلى أنهار جارفة. الثقة التي اهتزت مع قرار الإجلاء الشامل تحتاج إلى أكثر من مجرد تأمين حافلات العودة؛ إنها تحتاج إلى خطة واضحة للوقاية من المستقبل، وخطة إنقاذ سريعة إذا تكرر السيناريو نفسه. وهنا يبرز دور المجلس المحلي والسلطات الإقليمية في تقديم ضمانات حقيقية للسكان بأن ما حدث لن يتكرر، أو على الأقل أن المدينة باتت تمتلك بنية تحتية قادرة على استيعاب كميات الأمطار القياسية التي باتت تضرب المنطقة بشكل متكرر.
الحركية التي تشهدها المدينة اليوم السبت، وعودة الحياة إلى المحلات والمطاعم، تعكس جانباً إيجابياً من قصة القصر الكبير؛ إنها قصة صمود مجتمع اختار ألا ينهزم أمام قسوة الطبيعة. لكن هذا الصمود لا ينبغي أن يخفي الحاجة الملحة إلى مراجعة شاملة لسياسات التدخل السريع وإدارة الكوارث. فالتنسيق بين سلطات القصر الكبير والمدن التي استقبلت النازحين، رغم أهميته، يبقى استجابة ظرفية لطوارئ آنية، بينما المطلوب هو بناء منظومة متكاملة للإنذار المبكر والتدخل السريع، تكون قادرة على التعامل ليس فقط مع فيضانات اليوم، بل مع ما تخبئه السنوات القادمة من مفاجآت مناخية قد تكون أقسى وأعنف.
البيان التفصيلي الذي تعد وزارة الداخلية للإعلان عنه في الساعات المقبلة سيكون محطة فارقة في مستقبل المدينة ومنطقتها. فالمطلوب من هذا البيان ليس فقط تفصيل آليات العودة، بل تقديم رؤية واضحة للمستقبل، تشمل إعادة هيكلة المناطق المهددة، وتعزيز البنية التحتية لتصريف المياه، ووضع خطة طوارئ دائمة تمنع تكرار سيناريو الإجلاء الجماعي الذي كلف المدينة الكثير على المستويين الاقتصادي والنفسي. فمدينة تعيش على رواجها التجاري، وتعتبر سوقها الأسبوعي شريان حياة لسكان المدينة والقرى المجاورة، لا يمكنها تحمل أسبوعين آخرين من الشلل التام.
ما حدث في القصر الكبير ليس مجرد كارثة طبيعية عابرة، بل هو جرس إنذار لكل المدن المغربية التي تشاركها نفس الظروف الجغرافية والمناخية. فإذا كانت عاصمة إقليم العرائش قد اهتزت لدرجة استدعت إجلاء سكانها بالكامل، فما هو مصير المدن الأخرى المهددة؟ السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: هل نملك استراتيجية وطنية حقيقية للتعامل مع الكوارث الطبيعية، أم أننا نكتفي بالاستجابة الآنية لكل أزمة على حدة؟ الأيام القادمة ستحمل جزءاً من الإجابة، لكن اليقين الوحيد هو أن مياه الفيضانات التي انحسرت عن شوارع القصر الكبير تركت وراءها تحديات أكبر مما كانت تحمله من طين وحطام.





