
بين الإهمال وخوصصة قطاع الصحة… مستشفى مولاي عبد الله بسلا يثير قلق السكان والمرتفقين

الرباط: إدريس بنمسعود
في مشهد يعكس المفارقة الصارخة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني، يعيش مستشفى مولاي عبد الله بمدينة سلا وضعية مأساوية، تكاد تختزل أزمة المنظومة الصحية العمومية بالمغرب برمتها. المستشفى، الذي دشنه جلالة الملك محمد السادس سنة 2018 في إطار استراتيجية ملكية طموحة لتعزيز العرض الصحي، أصبح اليوم أقرب إلى مستشفى مشلول منه إلى مؤسسة استشفائية تقدم خدمات حقيقية للساكنة.
في هذا السياق وجّه النائب البرلماني عن حزب التقدم والاشتراكية السيد محمد عواد، سؤالاً كتابياً لوزير الصحة، يصف فيه الوضع الكارثي الذي يعيشه هذا الصرح الصحي، حيث أشار إلى أن المستشفى يعاني من نقص حاد في الأطر الطبية والتمريضية، ما أدى إلى شبه شلل في خدماته، وحرم أزيد من مليون نسمة، من ساكنة سلا وأحوازها، من أبسط حقوقهم الصحية.
عواد نبّه في سؤاله الموجه لوزير الصحة امين التهراوي إلى أن المستشفى، رغم طاقته الاستيعابية المهمة (250 سريرًا)، لم يعد قادراً على تأمين الحد الأدنى من الخدمات، متسائلاً عن الإجراءات العاجلة التي تعتزم الوزارة اتخاذها لإنقاذ هذا المرفق الحيوي.
لكن يبدو أن السؤال البرلماني مهما كانت وجاهته يصطدم بجدار من السياسات الحكومية التي بدأت تميل بشكل متسارع نحو مقاربة جديدة مثيرة للقلق: تحويل قطاع الصحة إلى سوق تجارية مفتوحة أمام من يدفع أكثر.
فبينما تُركت مستشفيات عمومية مثل مستشفى مولاي عبد الله لتواجه مصيرها القاتم من دون موارد بشرية كافية أو تجهيزات لائقة، نجد الحكومة تشجع دون خجل على توسع المصحات الخاصة، بل وتمنحها امتيازات تجعلها “الفائز الأكبر” في معادلة صحية ظالمة.
هذه المقاربة، التي تصب في خانة “تسليع الصحة”، لا يمكن إلا أن تفرز واقعاً مريراً تتكبد كلفته الطبقات الهشة والفئات المتوسطة، التي لا تملك خياراً سوى الاصطفاف في طوابير داخل مؤسسات عمومية تنهار أمام أعين الجميع.
إنها سياسات تسير في الاتجاه المعاكس تماماً لما نص عليه الدستور من ضمان الحق في العلاج لكل مواطن، وهي تهدد بتحويل الصحة من حق مكتسب إلى امتياز طبقي.
الوضع في مستشفى مولاي عبد الله ليس مجرد خلل إداري عابر، بل هو تعبير حي عن انهيار تدريجي لمفهوم “الوظيفة الاجتماعية للدولة”. وإذا لم تتدخل الجهات المسؤولة، وعلى رأسها وزارة الصحة، بشكل عاجل وحاسم، فسنشهد المزيد من حالات الانهيار الشامل للمستشفيات العمومية، وفتح الباب على مصراعيه أمام الخصوصي ليبتلع ما تبقى من أمل في عدالة صحية.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تستمر الحكومة في هذه المقاربة النيوليبرالية المتوحشة؟ أم ستعيد الاعتبار للصحة العمومية قبل أن يصبح العلاج في المغرب رفاهية لا يقدر عليها إلا المحظوظون؟





