مغرب ما بعد المونديال: بين التحول التنموي واستدامة النمو الاقتصادي

بقلم الخبير الاقتصادي: المهدي الجرباوي

بينما يقترب المغرب من استضافة كأس الأمم الإفريقية 2025 وكأس العالم 2030 بمشاركة إسبانيا والبرتغال، لا تقتصر الاستعدادات الجارية على تأهيل الملاعب والمنشآت الرياضية، بل تعكس تحولًا اقتصاديًا شاملًا يُنتظر أن يُعيد رسم المشهد التنموي الوطني في أفق ما بعد 2030.

من الرياضة إلى البنية التحتية: استثمار استراتيجي طويل الأمد

على غرار ما شهدته قطر خلال تحضيراتها لكأس العالم 2022، يراهن المغرب على البنية التحتية كقاطرة لتحفيز الاستثمار وتحسين التموقع الجغرافي في خارطة الاقتصاد العالمي. ويُقدّر أن معدل نمو قطاع البناء سيبلغ 3.9% سنة 2025، وفق تقرير شركة “Research and Markets”، مع تسجيل معدل مستقر يبلغ 3.8% سنويًا بين 2026 و2029. هذه الأرقام، وإن بدت معتدلة، تفوق متوسط النمو في قطاعات البناء ببعض الاقتصادات الناشئة في شمال إفريقيا، مثل تونس (2.5%) أو الجزائر (3%).

فرص الشغل: دينامية مرحلية أم تحول هيكلي؟

تشير الأرقام الرسمية إلى خلق ما يزيد عن 52 ألف فرصة عمل في قطاع البناء والأشغال العمومية خلال الربع الأول فقط من عام 2025، وهو ما يعادل تقريبًا عدد المناصب التي أُحدثت في كامل سنة 2022 في نفس القطاع. ورغم أن هذه الطفرة ترتبط مباشرة بتسريع وتيرة الأشغال استعدادًا للتظاهرات الرياضية، فإن استمرارها بعد 2030 سيعتمد على قدرة الدولة على إعادة توجيه اليد العاملة نحو مشاريع إنتاجية، واستثمارات صناعية مستدامة.

ضغط على السوق: الطلب يسبق العرض

تعكس مؤشرات قطاع البناء حجم الطلب المتزايد، حيث ارتفعت مبيعات الإسمنت بنسبة 10.34% حتى نهاية أبريل 2025، لتبلغ 4.52 مليون طن، في حين سجل شهر أبريل وحده نموًا فاق المعدل السنوي، ما يدل على تسارع وتيرة الأشغال في مختلف المناطق. في المقابل، شهدت أسعار مواد البناء ارتفاعًا ملحوظًا، إذ ارتفع سعر الحديد والمسامير بنسبة تقارب 20% خلال الأشهر الستة الأخيرة، وهو ما يضع ضغطًا كبيرًا على المقاولات، خاصة الصغرى والمتوسطة، ويؤثر على قدرتها التنافسية في ظل تصاعد تكاليف الإنتاج.

مناخ الاستثمار: تدفقات أجنبية وحوافز حكومية

عرف المغرب تحسنًا في مناخ الأعمال خلال السنوات الأخيرة، مدعومًا بإصلاحات قانونية وحوافز موجهة لجذب الاستثمارات الأجنبية. وتشير بيانات وزارة الاستثمار إلى أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو قطاع البناء والبنية التحتية سجلت ارتفاعًا بنسبة 18% مقارنة بسنة 2023، مدفوعة بالشراكات الاستراتيجية مع دول الخليج وأوروبا، وبدينامية الشركات الوطنية الكبرى في تنفيذ المشاريع الكبرى.

السياحة كمحرك موازٍ للنمو

في موازاة ذلك، يشهد قطاع السياحة طفرة قوية، مع تزايد الاستثمارات الفندقية الرامية إلى مضاعفة الطاقة الإيوائية في المدن المحتضنة للبطولات. وتشير توقعات وزارة السياحة إلى أن المملكة تسعى لرفع القدرة الإيوائية بنسبة 30% بحلول 2028، وهو ما يتطلب تعبئة استثمارات ضخمة في البنية والخدمات الفندقية واللوجستية، في أفق استقبال أكثر من 4 ملايين زائر رياضي وسياحي خلال سنة 2030 وحدها.

رغم المؤشرات الإيجابية التي تبرزها الأرقام، يبقى نجاح المغرب في تحويل دينامية ما قبل 2030 إلى تحول استراتيجي مرهونًا بعدة عوامل. أولها، إرساء رؤية متكاملة لما بعد المونديال، تضمن توجيه الاستثمارات نحو قطاعات إنتاجية طويلة الأمد، وليس فقط استهلاكًا ظرفيًا مدفوعًا بزخم رياضي.

ثانيًا، إصلاح سوق الشغل، من خلال تسريع برامج التكوين المهني، لسد الفجوة بين العرض والطلب في الكفاءات التقنية، وتفادي النزيف البشري الذي يُهدد بتقويض وتيرة الإنجاز ورفع الكلفة على المقاولات.

ثالثًا، الحفاظ على توازن السوق عبر تدابير مضادة لارتفاع الأسعار، وتفعيل آليات الرقابة على سلاسل التوريد، خصوصًا في مواد البناء، تفاديًا لتكرار سيناريوهات تضخم ظرفي شهدتها دول استثمرت بكثافة في البنية التحتية قبيل أحداث كبرى.

وأخيرًا فإن التحدي الأكبر يظل تحقيق العدالة المجالية في توزيع المشاريع، حتى لا تتركز التنمية في محور المدن الكبرى فقط، بل تمتد إلى الهوامش والمناطق الداخلية، بما يعزز الانسجام الاجتماعي ويرسّخ النموذج التنموي الجديد للمملكة.

بهذا المعنى، لا يُعد تنظيم كأس العالم 2030 غاية في حد ذاته، بل فرصة تاريخية لتكريس مغرب جديد: تنافسي، منفتح، ومندمج في سلاسل الاقتصاد العالمي – إذا ما أُحسن استثمار لحظته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى