سلفات الموظفين تكشف هشاشة العدالة الأجرية في زمن الغلاء خلال عيد الأضحى

الرباط: ريم بنكرة

مع اقتراب عيد الأضحى، لا يبدو أن النقاش الدائر داخل عدد من الإدارات العمومية بالمغرب يتعلق فقط بطقوس مناسبة دينية واجتماعية، بقدر ما يعكس اختلالات أعمق في بنية الدعم الاجتماعي وتوازناته. فالإعلان المبكر عن سلفات ومنح موجهة للموظفين لاقتناء الأضاحي يكشف، في ظاهره، عن مبادرات تضامنية؛ لكنه في العمق يطرح أسئلة محرجة حول جدوى هذه الآليات وحدود تأثيرها في ظل موجة غلاء غير مسبوقة.

المعطيات المتداولة تشير إلى اعتماد صيغ متقاربة من حيث الشكل، لكنها متفاوتة من حيث القيمة والإنصاف. فبين سلفات تتراوح بين 2000 و3000 درهم تُسترجع عبر اقتطاعات شهرية، ومنح قد تصل إلى 2500 درهم في بعض المؤسسات، وأخرى لا تتجاوز 500 درهم في قطاعات مختلفة، يتكرس واقع غير متوازن يضع مبدأ المساواة بين الموظفين على المحك. هذا التفاوت لا يعكس فقط اختلاف الإمكانيات المالية بين المؤسسات، بل يكشف أيضاً غياب رؤية موحدة للعدالة الاجتماعية داخل القطاع العمومي.

في المقابل، تتعالى أصوات نقابية تعتبر أن هذه المبادرات، رغم أهميتها الظرفية، لا تعالج جوهر الإشكال المرتبط بتآكل القدرة الشرائية.

فارتفاع تكاليف المعيشة، من تعليم وصحة إلى مصاريف يومية، يجعل من منحة موسمية مجرد مسكن مؤقت لا يحد من الضغط المالي المتراكم. بل إن اللجوء إلى السلفات، حتى وإن كانت بدون فوائد، يطرح إشكالية ترحيل الأزمة بدل حلها، حيث يتحول عبء العيد إلى دين مؤجل يثقل كاهل الموظف لأشهر لاحقة.

ومن زاوية تحليلية، يبدو أن اعتماد بعض الجهات لمعيار تناقص الدعم كلما ارتفع الأجر يمثل توجهاً أكثر عقلانية من حيث استهداف الفئات الهشة، لكنه يظل غير كافٍ إذا لم يُواكب بإصلاح شامل لمنظومة الأجور. فالفجوة بين الدخل وتكاليف العيش لم تعد ظرفية أو مرتبطة بمناسبة معينة، بل أصبحت سمة بنيوية في الاقتصاد الاجتماعي المغربي.

الأكثر دلالة في هذا السياق هو التحول الذي طرأ على سلوك الأسر، حيث لم تعد أضحية العيد تمثل أولوية مطلقة لدى بعض الفئات المتوسطة والميسورة، في حين تظل بالنسبة للفئات الأقل دخلاً مسألة رمزية واجتماعية لا يمكن التفريط فيها، حتى وإن كان الثمن هو الوقوع في دائرة المديونية. هنا تتجلى مفارقة لافتة: الفئات الأكثر هشاشة هي الأكثر تمسكاً بالشعيرة، رغم كونها الأقل قدرة على تحمل تكلفتها.

في النهاية، يتجاوز النقاش مسألة “سلفة” أو “منحة” ليصل إلى سؤال أعمق: هل يمكن لمقاربات جزئية وموسمية أن تعوض غياب سياسة شاملة تعيد التوازن بين الأجور والأسعار؟ ما يظهر اليوم هو أن هذه الآليات، بدل أن تكون حلاً، أصبحت مرآة تعكس اتساع الفوارق داخل القطاع نفسه، وتؤكد أن معركة القدرة الشرائية لم تعد تُخاض في المناسبات، بل في تفاصيل الحياة اليومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى