
التدبير العقاري في المغرب: من هامش تقني إلى شرط بقاء الاستثمار
الرباط: إستثمار
لم يعد الاستثمار العقاري في المغرب يُقاس فقط بموقع المشروع أو بحجم الطلب الظرفي، كما كان سائداً لسنوات، بل بات رهيناً بعامل أكثر عمقاً وتأثيراً: جودة تدبير الأصول وقدرة الفاعلين على إدارة المخاطر في سياق اقتصادي متقلب. فبين مرحلة كان فيها العقار يُنظر إليه كملاذ آمن يحقق عائداً شبه مضمون، ومرحلة راهنة تتسم بتغير دورات السوق وارتفاع منسوب عدم اليقين، برز التدبير المهني كفاصل حاسم بين استثمار يحافظ على قيمته وآخر يتآكل تدريجياً.
في هذا الإطار، يضع الخبير في العقار وتدبير الملكيات العقارية، رفيق عبدوس، تدبير الأصول في قلب النقاش الاستثماري، معتبراً أن ما كان يُنظر إليه سابقاً كخيار تقني ثانوي، تحول اليوم إلى رافعة استراتيجية لضمان المردودية والاستدامة. فالعقار، بحسب هذا التصور، لم يعد مجرد أصل جامد، بل مشروع اقتصادي حيّ يتأثر بالدورات الاقتصادية، وبمدى احترافية التسيير، وبقدرة المستثمر على التكيف مع تحولات السوق.
ويقارن عبدوس بين نمطين من الاستثمار العقاري: الأول تقليدي، يركز على الإنجاز السريع والبيع أو الكراء دون رؤية بعيدة المدى، والثاني حديث، يقوم على منطق إدارة المحفظة العقارية وفق مقاربة شمولية تأخذ بعين الاعتبار البعد المالي والقانوني والتقني والتسويقي. ووفق هذا المنطق، فإن استدامة أي محفظة عقارية لم تعد مرتبطة فقط بجودة البناء، بل بمدى ملاءمة نموذج التدبير لطبيعة الأصل وظروف السوق.
ويبرز الخبير أن التحولات التي يشهدها الاقتصاد المغربي، سواء على مستوى تنوع القطاعات أو تسارع أوراش البنيات التحتية، تفرض إعادة التفكير في أساليب التدبير العقاري. فالمقاربات الموحدة قد تنجح على مستوى المبادئ، لكنها تفشل على مستوى التطبيق، لأن تدبير مصحة صحية، مثلاً، يختلف جذرياً عن تدبير إقامة سكنية أو مركز تجاري. هنا تتجلى المقارنة بين استثمار يُدار بمنطق “نسخة واحدة للجميع”، وآخر يُبنى على استراتيجيات مخصصة حسب طبيعة كل أصل.
وفي المقابل، تكشف أرقام الشغور العقاري، خاصة في المدن الكبرى مثل الدار البيضاء، عن اختلالات عميقة في منطق الاستثمار. فارتفاع نسبة الشقق غير المأهولة إلى مستويات مقلقة يعكس، وفق عبدوس، ليس فقط تباطؤ الطلب، بل أيضاً تخوف المستثمرين من تعقيد المساطر، وصعوبة تدبير النزاعات، وغياب إطار قانوني محفز على الكراء. وهو ما يؤدي، paradoxically، إلى تجميد الأصول بدل توظيفها، ومن ثم تآكل قيمتها على المدى المتوسط والبعيد.
ومن زاوية مقارنة أخرى، يلفت الخبير الانتباه إلى الفرق بين ثقافة استثمارية تبحث عن الربح السريع، وأخرى تُقيّم المخاطر وتبني العائد على المدى الطويل. فعدد غير قليل من المشاريع العقارية في المغرب، بحسبه، يُطلق دون دراسات جدوى حقيقية أو مخططات أعمال دقيقة، ما يجعلها عرضة للفشل المبكر. وفي هذا السياق، لا يقتصر الخلل على المستثمرين الأفراد، بل يمتد إلى بعض المنعشين والمهنيين الذين يفضلون هامش الربح الظاهر على حساب التحليل الواقعي للسوق.
وتتجلى هذه المفارقة بشكل أوضح في أزمة تدبير الملكيات المشتركة و”السنديك”، حيث يتم تسويق مشاريع سكنية راقية بمواصفات عالية، قبل أن تفقد بريقها بسرعة بسبب ضعف المهنية في التسيير، أو بسبب سعي بعض الملاك إلى تقليص التكاليف دون إدراك أن ذلك ينعكس مباشرة على قيمة ممتلكاتهم. هنا، يظهر الفرق بين استثمار يُدار بعقلية قصيرة النفس، وآخر يُدار برؤية تعتبر الصيانة والتسيير جزءاً لا يتجزأ من القيمة العقارية.
ولا يُعفي عبدوس الدولة من المسؤولية، معتبراً أن غياب تأطير تنظيمي صارم لمهنة السنديك، وضعف التكوين المتخصص في مهن التدبير العقاري، يساهمان في تكريس اختلالات بنيوية تقلص من جاذبية القطاع. فالمقارنة مع تجارب دولية تُظهر أن الاستثمار العقاري لا يزدهر فقط بجودة البناء، بل بإطار قانوني واضح ومهنيين مؤهلين يضمنون استدامة الأصول.
في المحصلة، يخلص الخبير إلى أن الانتقال نحو نموذج عقاري مستدام في المغرب يمر عبر قطيعة مع منطق “العقار كصفقة”، واعتماد رؤية تعتبره استثماراً طويل الأمد. فبين استثمار يُدار بالحدس، وآخر يُدار بالاحتراف، يتحدد مستقبل القيمة العقارية، وتتحدد قدرة القطاع على الصمود في وجه التقلبات الاقتصادية.





