
المغرب يرسخ مكانته الرقمية: من خلال خلق”قرية المقاولات الناشئة” بسلا
الرباط: ريم بنكرة
في خطوة تعكس التوجه الاستراتيجي للمغرب نحو تعزيز ريادته الرقمية، شهدت مدينة سلا افتتاح “قرية المقاولات الناشئة”، كمنصة نوعية تجسد التقاطع بين الابتكار التكنولوجي والتنمية الشاملة. هذه المبادرة، التي تأتي ضمن المناظرة الوطنية الأولى للذكاء الاصطناعي، لا تقتصر على عرض حلول رقمية محلية فحسب، بل تطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن تحويل الذكاء الاصطناعي من أداة تقنية إلى رافعة للعدالة المجتمعية في سياق الدول النامية؟
مقارنةً بمبادرات مماثلة في المنطقة، تميزت القرية المغربية بتوجهها الثلاثي الأبعاد: **دمج الأخلاقيات الرقمية**، و**ربط الابتكار بالقطاعات الحيوية** (كالتعليم والصحة)، و**إيلاء الأولوية للسيادة التكنولوجية**. فبينما تركّز دول عربية على جذب الاستثمارات الأجنبية في القطاع الرقمي، اختار المغرب مساراً أكثر تعقيداً يقوم على تطوير حلول محلية تستجيب لخصوصياته المجتمعية.
على مستوى التعليم، مثّل المشروع المقدم من شركة “تيلمي كود” (“تلميذ بلوس”) نموذجاً للذكاء الاصطناعي السياقي، الذي يزاوج بين البيداغوجيا والموروث الثقافي المغربي. هذا النهج يختلف عن التطبيقات التعليمية العالمية مثل “Duolingo”، إذ يعيد صياغة المفاهيم التقنية (كالأمن السيبراني) عبر سرديات محلية. أما في القطاع الصحي، فأظهرت حلول “أبا تكنولوجي” للتشخيص الذكي كيف يمكن للذكاء الاصطناعي تعويض النقص في البنية التحتية الطبية بالمناطق النائية، وهو تحدٍ تشترك فيه معظم الاقتصادات الناشئة.
لكن الأكثر دلالة هو التركيز على **الأخلاقيات** كمعيار للابتكار، حيث تجاوزت المناظرة النقاش التقني إلى إطار فلسفي: هل يمكن توطين الذكاء الاصطناعي دون استنساخ النماذج الغربية؟ هنا برزت إجابة المغرب عبر مشاريع مثل “أوت سورسيا” التي تدمج اللغات المحلية في معالجة اللغات الطبيعية، مؤكدةً أن السيادة الرقمية تبدأ من اللغة.
في المحصلة، تتحول “قرية المقاولات الناشئة” من فضاء عرض إلى مختبر للسياسات العمومية، حيث تُختبر فرضية رئيسة: أن يكون الذكاء الاصطناعي وسيلة لاكتساب المرونة التنموية (Resilience) بدلاً من كونه أداة استهلاكية. هذا المسار، وإن بدأ متواضعاً مقارنة بالمراكز العالمية، إلا أنه يضع المغرب في موقعٍ فريدٍ كحالة دراسة للتقاطع بين الأخلاقيات والابتكار في الجنوب العالمي.





