
مكانة المغرب في حرية الإنسان: تقدم نسبي بين مؤشرات عالمية متدهورة
الرباط: إستثمار
يضع مؤشر الحرية الإنسانية العالمي الصادر عن معهدي “كاتو” و”فريزر” المغرب في صورة تناقضات عميقة عند مقارنته ببيئته الإقليمية وبالاتجاهات العالمية الأوسع. فبينما يحتل المغرب المركز الـ129 عالمياً والمركز التاسع إقليمياً في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يكشف التصنيف تفاصيل أكثر إثارة للقلق تتمثل في التراجع الكبير إلى المركز الـ142 في مجال الحرية الشخصية على مستوى العالم، مقابل أداء أفضل نسبياً في الحرية الاقتصادية حيث حل في المركز الـ94. وهذا التفاوت يشير إلى مسار تنموي غير متوازن، يضعف فيه ضمان الحريات الشخصية رغم تحسن المؤشرات الاقتصادية، بينما يحافظ البلد على نفس تصنيفه العام مقارنة بالعام السابق، مما قد يوحي بحالة من الركود وعدم التقدم في مجالات الحرية.
تظهر المقارنة الإقليمية تفوقاً واضحاً لإسرائيل والأردن والكويت على رأس قائمة المنطقة، بينما تأتي اليمن وإيران وسوريا في ذيلها، مما يضع المغرب في موقع وسطي لا هو بالمتراجع تماماً ولا هو بالمتصدر. وعلى المستوى العالمي، تسيطر الدول الأوروبية التقليدية مثل سويسرا والدنمارك على المراكز الأولى، مما يؤكد الهوة الكبيرة بين مناطق العالم. إلا أن التحليل الأعمق يكشف أن هذه الفجوة تتسع في ظل تراجع عالمي مستمر، حيث أدت جائحة كوفيد-19 إلى تدهور كبير في الحريات الشخصية والمدنية، مع استمرار انخفاض مؤشرات حرية التعبير والتجمع والحركة حتى بعد أربع سنوات من الجائحة.
يعكس التقرير ظاهرة عالمية مقلقة، حيث يعيش أقل من 14% من سكان العالم في مناطق عالية الحرية، بينما يعيش ما يقرب من 40% في مناطق منخفضة الحرية. وهذه الفجوة لا تتعلق فقط بالأنظمة السياسية، بل تمتد آثارها لتشمل التنمية الاقتصادية والرفاهية الإنسانية الشاملة، حيث تظهر الدراسة أن الدول الأكثر حرية بدأت تتعافى ببطء منذ عام 2021، بينما استمرت الدول الأقل حرية في الانحدار. وتقدم حالات مثل فنزويلا ونيكاراغوا وتركيا وهونغ كونغ أمثلة صارخة على هذا الانحدار السريع نحو الاستبداد، وغالباً ما يقترن ذلك بأزمات اقتصادية وإنسانية عميقة.
في هذا السياق العالمي والإقليمي المضطرب، يبرز موقع المغرب كحالة تستدعي التأمل. فالأداء المتوسط للبلد يتركه عالقاً بين مخاطر التدهور العالمي في الحريات وفرص التحسين النسبي مقارنة بجيرانه الأقل حظاً. ويشير ثبات تصنيفه العام إلى تحديات بنيوية تحول دون إحراز تقدم ملموس، بينما يؤكد التفاوت بين مؤشر الحرية الاقتصادية الأفضل ومؤشر الحرية الشخصية الأضعف على وجود إشكالية عميقة في النموذج التنموي المغربي.





