
حرية بلا ضوابط أم فوضى رقمية؟ حين يقرّ وزير العدل بأن مواقع التواصل «مصيبة العصر»
الرباط: إدريس بنمسعود
لم يأتِ وصف عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، لمواقع التواصل الاجتماعي بـ«مصيبة العصر» من فراغ، بل يعكس قلقًا متصاعدًا داخل دوائر القرار السياسي، ليس فقط في المغرب، بل على المستوى الدولي. فتصريح الوزير، الذي كشف فيه عن مخاوف مشتركة عبّر عنها وزراء ورؤساء حكومات خلال مؤتمر دولي بهانوي، يضع النقاش حول المنصات الرقمية في قلب إشكالية معقدة: كيف يمكن التوفيق بين حرية التعبير وحماية الأفراد والدولة من الانزلاق نحو فوضى رقمية مفتوحة؟
ما يلفت في حديث وهبي ليس حدّة الوصف فحسب، بل الإقرار الضمني بأن مواقع التواصل لم تعد مجرد فضاء للتعبير الحر أو لتداول الآراء، بل تحولت، في نظر عدد متزايد من المسؤولين، إلى أدوات قادرة على التأثير العميق في الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وعلى المساس بالحياة الخاصة للأفراد دون رادع فعلي. فالمنصات، كما يقول الوزير، تتمتع بما سماه «نبلًا خبيثًا»، أي حصانة أخلاقية وقانونية تُغلَّف بشعار حرية التعبير، بينما تُستغل عمليًا لتبرير السبّ والقذف والتشهير وانتهاك الخصوصية.
هذا التوصيف يفتح الباب أمام قراءة نقدية أوسع لدور هذه المنصات في المجتمعات الحديثة. فمن جهة، لا يمكن إنكار أن مواقع التواصل منحت الصوت لفئات كانت مهمشة، وساهمت في كشف اختلالات وممارسات لم تكن لتطفو على السطح لولا هذا الفضاء المفتوح. لكنها،
من جهة أخرى، ألغت في كثير من الأحيان الحدود بين النقد المشروع والتشهير، وبين الحق في التعبير والاعتداء على الكرامة الإنسانية. وهنا يكمن جوهر الإشكال الذي يلمّح إليه وزير العدل: هل ما نعيشه هو توسيع للديمقراطية أم تفريغ لها من مضمونها عبر تحويل الحرية إلى أداة إيذاء؟
تصريحات وهبي تكشف أيضًا عن مأزق الحكومات أمام قوة عابرة للحدود.
فالمنصات الاجتماعية لا تخضع بسهولة للتشريعات الوطنية، وتتحرك بمنطق اقتصادي وتقني يتجاوز سيادة الدول. لذلك، فإن القلق الذي عبّر عنه مسؤولون من دول مختلفة في مؤتمر هانوي يعكس إدراكًا جماعيًا بأن المعركة لم تعد محلية، بل عالمية، تتطلب تنسيقًا دوليًا لإعادة تعريف مفهوم حرية التعبير في العصر الرقمي، وضبطه بقواعد تحمي الأفراد دون خنق النقاش العام.
غير أن هذا الطرح لا يخلو من حساسية. فكل دعوة إلى تنظيم أو تقنين مواقع التواصل تصطدم مباشرة بمخاوف مشروعة من التضييق على الحريات أو توظيف القانون لإسكات الأصوات المزعجة. ومن هنا، فإن توصيف المنصات بـ«مصيبة العصر» قد يُقرأ، لدى جزء من الرأي العام، كتمهيد لخطاب تشريعي متشدد، بدل أن يكون دعوة إلى نقاش مجتمعي هادئ حول أخلاقيات الفضاء الرقمي ومسؤولية مستخدميه.
في المحصلة، يضع تصريح وزير العدل النقاش في مكانه الصحيح: المشكلة ليست في حرية التعبير بحد ذاتها، بل في غياب التوازن بين الحق والمسؤولية. فبدون هذا التوازن، تتحول الحرية إلى فوضى، ويصبح «النبل» الذي تُغلّف به المنصات غطاءً لـ«خبث» يهدد الأفراد والمجتمع. والتحدي الحقيقي أمام الدولة والمجتمع معًا هو صياغة مقاربة ذكية، تحمي الكرامة والخصوصية، دون أن تُفرغ الفضاء الرقمي من دوره كمساحة للنقاش والتعدد والاختلاف.





