
بين الإنتاج القياسي والتبعية المستمرة: المفارقة المُلِحة في قطاع الطاقة المغربي
الرباط: ريم بنكرة
تُظهر بيانات الأشهر العشرة الأولى من عام 2025 صورة مُتناقضة ومثيرة للتفكير حول واقع التحول الطاقي في المغرب. فمن جهة، تسجل الأرقام نمواً ملحوظاً في الإنتاج الوطني للكهرباء بنسبة 6.1%، مدفوعاً بقوة الأداء القوي للإنتاج الخاص والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، مما يقود إلى تحقيق رقم قياسي في حجم الطاقة الصافية الموزعة، هو الأعلى خلال اثني عشر عاماً. يبدو هذا الاتجاه مشجعاً وكمياً في ظاهره، ويعكس استثمارات وجهوداً تبذل على مستوى تعزيز القدرة الإنتاجية.
إلا أن قراءة أعمق لهذه المؤشرات تفضي إلى سيناريو أكثر تعقيداً وأقل تفاؤلاً. فالارتفاع الحاد في حجم الطاقة المستوردة بنسبة 26.2%، وإن كان أقل من ارتفاع السنة السابقة، يظل مُقلقاً ويُشير إلى أن الزيادة في الطلب المحلي المتنامي تفوق بكثير قدرة العرض المحلي، حتى مع تسجيل إنتاج قياسي. بمعنى آخر، لا يزال الاقتصاد الوطني يعمل بمحركين: محرك إنتاج محلي متسارع، ومحرك تبعية خارجية متزايدة لسد الفجوة بين العرض والطلب.
هذا التفاوت يطرح تساؤلات جوهرية حول فعالية المزيج الطاقي الحالي واستراتيجية الأمن الطاقي. فبينما ينمو الإنتاج، تتسع الفجوة التي تُملأ بالاستيراد. والأكثر دلالة هو تراجع الصادرات بنسبة 30.9%، مما يُضعف دور القطاع كرافد للعملة الصعبة ويعزز الصورة النمطية لاقتصاد مستهلك للطاقة أكثر منه مُصدراً لها، حتى مع وجود إمكانيات كبيرة في الطاقات المتجددة.
المفارقة الحقيقية تكمن هنا: تحقيق أرقام قياسية في الإنتاج والتوزيع المحلي، في وقت يزداد فيه الاعتماد على الخارج ويتقلص فيه التواجد في الأسواق الخارجية. يشير هذا إلى أن النمو الحالي، رغم أهميته، قد يكون نمواً “كمياً” غير مصحوب بتحول “نوعي” كافٍ في هيكل المنظومة الطاقية. التحدي الأكبر لا يتمثل فقط في إنتاج المزيد، بل في إدارة الطلب، ورفع كفاءة الاستهلاك، والإسراع بالتحول نحو مصادر الطاقة المحلية المتجددة لتقليص فاتورة الاستيراد وتحويل الفائض إلى تصدير. النجاح الحقيقي سيُقاس بقدرة المغرب على تحويل هذا الإنتاج القياسي إلى سيادة طاقية فعلية، تُقلص التبعية وتُعزز الاكتفاء والتصدير، بدلاً من أن يتحول مجرد إنجاز إحصائي إلى قنطرة لاستيراد أكبر للمزيد من الطاقة.





