تحويلات قياسية تُنقذ التوازنات أم تُخفي اختلالات أعمق؟ قراءة مقارنة في أرقام مكتب الصرف

الرباط: الخبير الاقتصادي المهدي جرباوي

على أعتاب نهاية سنة 2025، تعود تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج لتؤكد موقعها كأحد أعمدة الاستقرار المالي للاقتصاد الوطني، بعدما تجاوزت 111 مليار درهم عند متم نونبر، مسجلة ارتفاعاً سنوياً بنسبة 1,6 في المائة. رقم يبدو للوهلة الأولى إيجابياً، لكنه يكتسب دلالته الحقيقية حين يوضع في ميزان المقارنة مع مؤشرات أخرى أقل إشراقاً، وفي مقدمتها تفاقم العجز التجاري واتساع فجوة المبادلات الخارجية.

فبينما ارتفعت تحويلات الجالية من 109,8 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية إلى 111,53 مليار درهم، يطرح هذا التطور سؤالاً محورياً حول طبيعة هذا النمو: هل يعكس تحسناً فعلياً في أوضاع مغاربة العالم، أم أنه مجرد استمرار لدور “صمام الأمان” الذي تلعبه هذه التحويلات كلما اشتد الضغط على التوازنات الماكروـاقتصادية؟ فالمقارنة مع السنوات الأخيرة توضح أن وتيرة الارتفاع باتت أكثر اعتدالاً، ما قد يشير إلى بلوغ هذه التحويلات سقفاً نسبياً يصعب تجاوزه دون سياسات جديدة تربطها بالاستثمار المنتج بدل الاستهلاك فقط.

في المقابل، تكشف أرقام مكتب الصرف عن وجه آخر أقل طمأنينة للمشهد الاقتصادي، يتمثل في اتساع العجز التجاري بنسبة مقلقة بلغت 22,4 في المائة، ليستقر عند 328,8 مليار درهم.

هذه القفزة لا يمكن فصلها عن الارتفاع القوي في واردات السلع التي تجاوزت 725 مليار درهم، مقابل نمو أضعف للصادرات التي لم ترتفع سوى بـ1,8 في المائة إلى حدود 423,5 مليار درهم. وهنا تبرز المفارقة: اقتصاد يضخ فيه الخارج تحويلات مالية مهمة، لكنه في الوقت نفسه يستهلك أكثر مما يُنتج، ويستورد بوتيرة أسرع مما يُصدر.

وعند مقارنة هذه المعطيات بميزان الخدمات، تتضح صورة أكثر توازناً نسبياً. فقد سجل هذا الميزان فائضاً فاق 147 مليار درهم، بزيادة تناهز 15,1 في المائة، مدفوعاً أساساً بارتفاع صادرات الخدمات، خاصة المرتبطة بالسياحة والنقل. ورغم أن واردات الخدمات بدورها ارتفعت إلى نحو 139 مليار درهم، إلا أن الفارق الإيجابي لصالح الصادرات يعكس قدرة هذا القطاع على تعويض جزء من نزيف العجز التجاري، وإن بشكل غير كافٍ لردم الهوة بالكامل.

في هذا السياق، تبرز المقارنة بين تحويلات الجالية وميزان الخدمات كعنصر كاشف لبنية الاقتصاد المغربي. فالتحويلات تمثل مورداً خارجياً مستقراً نسبياً، لكنه غير مضمون الاستدامة بنفس الوتيرة على المدى الطويل، خصوصاً في ظل تقلبات الاقتصاد العالمي وتغير أوضاع الهجرة. أما فائض الخدمات، فرغم طابعه الديناميكي، يظل مرتبطاً بعوامل ظرفية كالسياحة والطلب الخارجي، ما يجعله عرضة للتقلب بدوره.

هكذا، يتضح أن بلوغ تحويلات مغاربة العالم مستويات قياسية لا ينبغي قراءته بمعزل عن باقي المؤشرات. فهي، من جهة، تخفف الضغط على ميزان الأداءات وتدعم احتياطي العملة الصعبة، لكنها من جهة أخرى قد تُخفي اختلالات بنيوية تتجلى في ضعف الصادرات الصناعية وارتفاع التبعية للواردات. والتحدي الحقيقي، وفق قراءة تحليلية مقارنة، لا يكمن في الحفاظ على مستوى هذه التحويلات فحسب، بل في توجيهها نحو الاستثمار المنتج وربطها بإقلاع تصديري حقيقي، حتى لا تبقى مجرد مسكن مالي يؤجل مواجهة أعطاب أعمق في بنية الاقتصاد الوطني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى