
الاقتصاد المغربي عام 2026 على إيقاع بين التفاؤل المشروط والحذر الواقعي
الرباط: إدريس بنمسعود
يستقبل الاقتصاد المغربي عام 2026 على إيقاع مفارقة لافتة تجمع بين التفاؤل المشروط والحذر الواقعي. فمن جهة، يراهن خبراء على تحسن المؤشرات بفعل عوامل طبيعية وسياسية واستثمارية متداخلة، ومن جهة أخرى، تظل تحديات بنيوية، في مقدمتها جذب الاستثمارات الأجنبية وتقليص العجز التجاري، تفرض نفسها كاختبار حقيقي لصلابة النموذج الاقتصادي.
في القراءة الأولى، يبرز العامل المناخي كرافعة تقليدية لكنها حاسمة في الاقتصاد الوطني. فاستقرار التساقطات المطرية، وفق مهدي فقير، لا ينعكس فقط على الإنتاج الفلاحي، بل يمتد أثره إلى الاستهلاك الداخلي والدورة الاقتصادية برمتها. ويستحضر المحلل هنا مقارنة دالة بين سنتين متقاربتين زمنياً ومتناقضتين اقتصادياً: 2016، حين قاد الجفاف إلى نمو ضعيف لم يتجاوز 1.2 في المائة، و2017 التي رفع فيها محصول الحبوب القياسي النمو إلى 4.3 في المائة. هذه المقارنة تؤسس لتوقع مفاده أن 2026 قد تتحول إلى سنة استثنائية إذا استمرت المؤشرات المناخية الإيجابية، ما يعيد طرح السؤال القديم الجديد حول مدى قدرة الاقتصاد المغربي على التحرر من الارتهان للمطر.
في المقابل، يربط فقير التفاؤل بعامل سياسي ومؤسساتي لا يقل أهمية، يتمثل في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة وأثرها على ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية. فوفق هذا الطرح، فإن نضج التجربة الديمقراطية والاستقرار السياسي يشكلان رصيداً غير مادي ينعكس مباشرة على التصنيف الائتماني وجاذبية المملكة للاستثمار.
هنا، يصبح الرهان السياسي جزءاً من المعادلة الاقتصادية، لا باعتباره ظرفاً عابراً، بل كعنصر بنيوي داعم للاستقرار.
وعند الانتقال إلى أوراش “مونديال 2030”، تتقاطع الرؤيتان عند فكرة الاستثمار بعيد المدى. فالثقة في أن مشاريع البنية التحتية لا تُنجز بمنطق الظرفية، بل وفق رؤية استراتيجية، تقابلها قراءة نقدية تعتبر أن النجاح الحقيقي لهذه الأوراش سيُقاس بمدى قدرتها على خلق قيمة مضافة مستدامة، لا بمجرد تلميع مؤشرات ظرفية.
ويُستحضر هنا النقد الذاتي الملكي للنموذج التنموي كإشارة على وعي رسمي بحدود السياسات السابقة، ومحاولة لتجاوزها برؤية أكثر شمولاً.
على الضفة الأخرى من التحليل، يضع إدريس الفينة إصبعه على مكمن القلق الأكبر: العجز التجاري. فرغم الطفرة المسجلة في ميثاق الاستثمار وتوقع ارتفاع الاستثمارات الأجنبية، إلا أن الانفتاح المحدود على الأسواق الخارجية يظل عائقاً أمام رفع الصادرات وتقليص الاختلال التجاري الذي بلغ مستويات مقلقة في 2025. ويقدم الفينة قراءة أكثر براغماتية، معتبراً أن هذا العجز يظل “مقبولاً” نسبياً ما دام مرتبطاً بتمويل استثمارات كبرى، لكنه يحذر ضمنياً من تحوله إلى عبء مزمن إذا لم يُواكَب بإقلاع تصديري حقيقي.
وفي مقاربة التشغيل يتقاطع الاقتصاديان في تشخيص غير مباشر مفاده أن البطالة ليست معضلة تقنية أو حكومية ظرفية، بل نتيجة لبنية الاقتصاد الكلي. غير أن الفينة يراهن بشكل أوضح على الاستثمارات المرتبطة بمونديال 2030 كرافعة لخلق فرص شغل واسعة وتنشيط قطاعات الطاقة والصناعة والسياحة، مع التأكيد على أن تقليص حضور الدولة في القطاعات غير الأساسية وفتح المجال أمام القطاع الخاص قد يكون شرطاً لتسريع هذه الدينامية.
وتزداد المقارنة وضوحاً عند الحديث عن سنة انتخابية بامتياز. فبينما يرى البعض في هذا المعطى عاملاً لتعزيز الثقة والاستقرار، يعتبره آخرون محفزاً لسباق حكومي نحو إطلاق مشاريع كبرى لتحسين الصورة وكسب الرهان السياسي. غير أن القاسم المشترك بين الرؤيتين يظل هو “العدالة المجالية”، باعتبارها التحدي الصامت الذي سيحدد ما إذا كان النمو القادم شاملاً أم انتقائياً.
هكذا يبدو عام 2026 مفترق طرق حقيقياً: إما أن يتحول إلى سنة قفزة اقتصادية مدعومة بالمطر والاستثمار والاستقرار السياسي، أو أن يكرس مفارقات نموذج نمو ما زال يراوح بين الطموح والقيود البنيوية. والفيصل، كما يجمع عليه الخبراء، لن يكون في الأرقام وحدها، بل في قدرة المغرب على تحويل الفرص الظرفية إلى مكتسبات دائمة تعيد رسم خارطته الاقتصادية والاجتماعية على أسس أكثر توازناً واستدامة.





