استراتيجية صينية ذكية لإعادة شحن الصناعة المغربية وتحقيق قفزة تكنولوجية

الرباط: إستثمار

لم يعد النموذج المغربي في صناعة السيارات قائماً على جذب الاستثمارات الأجنبية لأعمال التجميع والتغليف فحسب، بل تحوّل إلى مغناطيس يجذب الأذرع التكنولوجية المتقدمة لهذه الصناعة. تشهد الاستثمارات الصينية، على وجه التحديد، تحولاً جوهرياً من التركيز على المكونات التقليدية مثل الأسلاك والإطارات، إلى استهداف القلب الإلكتروني والعصبي للسيارة الحديثة. ففي خطوات متتالية وسريعة، أعلنت شركات صينية كبرى مثل “Jiangsu Yunyi Electric” و”Tianyouwei” و”Bethel-Automotive Safety Systems” عن ضخ استثمارات بمليارات الدراهم لإنشاء مصانع لإلكترونيات السيارات، وأشباه الموصلات، والمستشعرات، وأنظمة السلامة المتطورة على الأراضي المغربية.

يكشف هذا التحول عن رؤية استراتيجية مزدوجة الأبعاد. فمن جهة، يعكس نضجاً كبيراً في المنظومة الصناعية المغربية التي انتقلت، خلال عقدين فقط، من الاعتماد على اليد العاملة البسيطة لتجميع الأجزاء، إلى امتلاك كفاءات هندسية عالية وقاعدة مختبرات بحثية متخصصة، ما رفع نسبة الإدماج المحلي إلى حدود 70% وفتح الباب أمام دخول صناعات حساسة مثل بطاريات السيارات الكهربائية المستخلصة من الفوسفاط. هذا التطور لم يأت من فراغ، بل هو ثمرة استثمار ممنهج في العنصر البشري وتحسين مناخ الأعمال، مما جعل المغرب بيئة جاذبة للاستثمارات عالية القيمة المضافة.

من جهة أخرى، يوضح هذا التوجه الاستراتيجي للصينيين رغبتهم في استخدام المغرب كنقطة انطلاق متقدمة ومؤهلة للمنافسة في الأسواق العالمية، وخاصة الأمريكية والأوروبية. المغرب، بموقعه الجغرافي واتفاقيات التبادل الحر مع كتل اقتصادية كبرى، واستقراره السياسي، وتحوله نحو الطاقة المتجددة التي تشكل 40% من مزيجه الكهربائي، بات منصة تصديرية مثالية. إذ لم تعد الصين تبحث فقط عن يد عاملة منخفضة التكلفة، بل عن شريك صناعي قادر على استيعاب وتطوير التكنولوجيا المتقدمة ضمن سلسلة إمداد عالمية معقدة.

هذا التحالف الاستراتيجي المغربي-الصيني لا يقتصر على استقبال استثمارات، بل يدفع بالمغرب نحو آفاق أوسع في رسم ملامح صناعة سيارات المستقبل. الطموح بتصنيع سيارة مغربية خالصة لم يعد حلماً بعيداً، بل أصبح مساراً ممكناً في ظل وجود هذه الكتل التكنولوجية المتقدمة على أرض الواقع. بذلك، لا تمثل هذه الاستثمارات تطوراً كمياً فحسب، بل هي قفزة نوعية تعيد رسم خريطة الصناعة في المنطقة، وتحول المغرب من ورشة تجميع إلى مركز إقليمي للإبداع التكنولوجي في مجال السيارات، ضمن نموذج تعاون جنوب-جنوب يرسم ملامح جديدة للتنمية الاقتصادية في أفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى