العقار بين ضغط السوق ووعود الدولة: هل تكفي حلول الكراء المدعّم لكبح نار الأسعار؟

الرباط: إدريس بنمسعود

يعيش قطاع العقار بالمغرب مفارقة لافتة بين منطق السوق القائم على العرض والطلب، وخطاب الدولة الذي يحاول احتواء الارتفاع المتواصل في أسعار البيع والإيجار، خاصة داخل المدن الكبرى. هذا ما عكسته مداخلة كاتب الدولة المكلف بالإسكان، أديب بن إبراهيم، التي قدمت تشخيصًا رسميًا للأزمة، لكنها فتحت في الوقت ذاته نقاشًا أوسع حول نجاعة الحلول المقترحة وحدودها الواقعية.

فمن جهة، يعترف المسؤول الحكومي بأن ارتفاع الأسعار لم يعد ظرفيًا، بل هو نتيجة بنيوية لاختلال واضح بين طلب متزايد ووعاء عقاري محدود، خصوصًا في المدن ذات الجاذبية الاقتصادية حيث تتركز فرص الشغل والخدمات. هذا العامل، الذي يشكل تفسيرًا تقنيًا كلاسيكيًا، يقابله عامل أكثر تعقيدًا يتمثل في ندرة الأراضي داخل النسيج الحضري، ما جعل العقار يتحول من حق اجتماعي إلى أصل استثماري مرتفع القيمة، تُحدد أسعاره بمنطق الندرة لا بمنطق الحاجة.

ومن جهة ثانية، يبرز الخطاب الحكومي وعيًا بدور المضاربة العقارية في تعميق الأزمة، سواء عبر مستثمرين يشترون بهدف الكراء أو إعادة البيع، أو عبر تنامي الكراء المؤقت المرتبط بمنصات رقمية مثل “إير بي إن بي”. هنا تظهر المقارنة جلية بين الكراء السكني طويل الأمد، الذي يخضع لضغط القدرة الشرائية للمواطن، والكراء المؤقت الذي يدر أرباحًا أسرع وأعلى، ما يدفع العديد من الملاك والأبناك إلى تفضيله. والنتيجة واحدة: تقلص العرض السكني الموجه للأسر، وارتفاع تلقائي في أسعار الإيجار.

في هذا السياق، تطرح الدولة مشروع نظام كراء سكني بثمن يقل بـ20 في المائة عن سعر السوق، مع إمكانية احتساب جزء من الكراء كأقساط للتملك، وهو تصور يستهدف أساسًا الطبقة المتوسطة. غير أن المقارنة بين الطموح المعلن والواقع الاجتماعي تثير تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة هذا النموذج على الصمود أمام دينامية السوق الحرة، خاصة إذا لم يُواكب بإجراءات صارمة للحد من المضاربة وتقنين الكراء المؤقت داخل الأحياء السكنية.

أما في ملف السكن غير اللائق، فتقدم الأرقام الرسمية صورة أكثر إيجابية مقارنة بالماضي، حيث تم الإعلان عن عشرات المدن بدون صفيح واستفادة مئات الآلاف من الأسر. اللافت هنا هو التحول في المقاربة، من إعادة الإيواء التي كانت تُنتج هوامش حضرية جديدة، إلى إعادة الإسكان داخل النسيج الحضري، مع إشراك القطاع الخاص وتخفيض الكلفة النهائية على المستفيد. غير أن المقارنة بين وتيرة الإنجاز السابقة والحالية، رغم تحسنها الواضح، تظل مرتبطة بسؤال الاستدامة: هل سيستمر هذا النسق بعد 2028 أم أن الظاهرة ستعيد إنتاج نفسها بأشكال جديدة؟

خلاصة القول إن خطاب الدولة حول أزمة العقار يجمع بين تشخيص واقعي وإرادة إصلاحية معلنة، لكنه يصطدم بتوازنات معقدة بين منطق السوق، وضغط الاستثمار، وحق المواطنين في السكن. وبين ارتفاع الأسعار من جهة، ووعود الكراء المدعّم والقضاء على دور الصفيح من جهة أخرى، يبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من حلول ظرفية إلى سياسة حضرية متكاملة تعيد للعقار وظيفته الاجتماعية، لا باعتباره سلعة نادرة فقط، بل كحق أساسي للاستقرار والعيش الكريم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى