قوانين معلّقة وبطائق مشبوهة… هل فقد قطاع نقل البضائع بوصلته القانونية؟

الرباط: نارمان بنمسعود

يبدو أن قطاع النقل الطرقي للبضائع يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم، بين ترسانة قوانين غير مكتملة التنزيل، وممارسات ميدانية تفرغ النصوص من محتواها، وسائقين يجدون أنفسهم في قلب معادلة قانونية ملتبسة. فمطالبة مهنيي القطاع بتنزيل قانون المقالع وفتح تحقيق في شبهات “بيع بطاقة السائق المهني” لا تعكس فقط احتجاجًا فئويًا، بل تكشف اختلالًا بنيويًا في منظومة التنظيم والمراقبة.

أبرز مظاهر هذا الاختلال يتجلى في ملف نقل البضائع الخطرة، حيث صدر القانون 30.05 منذ سنة 2011، غير أن غياب مرسومه التطبيقي أبقاه معلقًا في منطقة رمادية. هذا الفراغ القانوني فتح الباب أمام تأويلات وممارسات متباينة، وأتاح لبعض معاهد التكوين أن تتجاوز دورها البيداغوجي إلى منح بطائق مهنية تحمل شعارات رسمية، رغم أن منح الترخيص يبقى اختصاصًا حصريًا للإدارة. هنا لا يتعلق الأمر بخطأ مسطري بسيط، بل بإشكال يمس حجية الوثيقة القانونية ويعرض السائقين لمخاطر المتابعات الزجرية.

تحول التكوين من أداة لرفع الكفاءة إلى سلعة قابلة للبيع يشكل ضربة موجعة لمفهوم المهنية نفسه. فالتكوين التأهيلي والمستمر ليس إجراءً شكليًا لتجديد البطاقة، بل مسارًا يهدف إلى تحديث المعارف التقنية والميكانيكية وضبط قواعد السلامة، خاصة في مجال نقل المواد الخطرة. وعندما يتم الالتفاف على هذا المسار عبر “شواهد دون حضور”، فإننا أمام خلل يمس جوهر السلامة الطرقية، مهما كانت نسبة تورط المهنيين في حوادث السير المميتة محدودة.

في المقابل، يبرز ملف المقالع كحلقة أخرى من سلسلة التناقضات. فالمقالع تعتمد المتر المكعب كوحدة قياس، بينما تعتمد المراقبة الطرقية الميزان كمرجع قانوني. هذا التباين يضع السائق في مواجهة مخالفة قد لا يكون مسؤولًا عنها بالكامل، خصوصًا عندما تتجاوز الحمولة السقف القانوني المحدد في 40 طنًا، لتتحول المخالفة إلى جنحة يتحمل تبعاتها عدة أطراف. غياب الموازين عند المنبع وغياب شرطة المقالع يجعلان من الطريق فضاءً لتصفية اختلالات لم تُعالج في نقطة الانطلاق.

المطالبة بتفعيل “شرطة المقالع” وتثبيت موازين لضبط الحمولة ليست مجرد مطلب تنظيمي، بل هي دعوة لإعادة ترتيب المسؤوليات داخل سلسلة النقل، حتى لا يبقى السائق الحلقة الأضعف. فتنظيم المنبع هو المدخل الطبيعي لضبط المصب، وأي سياسة زجرية لا تواكبها آليات وقائية واضحة ستظل قاصرة.

في خلفية هذا المشهد، يطرح سؤال الحكامة نفسه بإلحاح: كيف يمكن أن تستثمر الدولة موارد مالية مهمة في برامج التكوين منذ 2019، في حين تستمر بعض المراكز في التحايل على دفتر التحملات؟ الرقمنة التي يجري الاشتغال عليها قد تكون خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها لن تؤتي أكلها دون تفعيل صارم للمراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

القضية إذن ليست تقنية فحسب، بل تتعلق بثقة المهنيين في الإطار القانوني المنظم لعملهم. فحين يشعر السائق أن القانون لا يطبق بعدالة أو أن بعض الفاعلين يتحايلون عليه دون مساءلة، تتآكل شرعية المنظومة برمتها. وتنزيل القوانين المعلقة، وضبط وحدات القياس، ومراقبة مراكز التكوين، ليست مطالب متفرقة، بل عناصر مترابطة لإعادة بناء قطاع حيوي للاقتصاد الوطني.

بين بطاقة مهنية يحيط بها الجدل، وقانون ينتظر التفعيل، ومقالع بلا ميزان، تتشكل صورة قطاع يحتاج إلى إصلاح عميق يتجاوز الحلول الظرفية. فسلامة الطرقات لا تتحقق بالشعارات، بل بمنظومة متكاملة تغلق منافذ الفراغ القانوني قبل أن تتحول إلى منافذ للخطر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى