
سد وادي المخازن بين ذروة الخطر ومنحى الانفراج: أرقام ما بعد العاصفة تكشف اختبارًا قاسيًا لمنظومة التدبير
الرباط: ريم بنكرة
بعد أيام عصيبة بلغ فيها منسوب الملء في سد وادي المخازن مستويات غير مسبوقة قاربت 180 في المائة، وعاشت معها ساكنة القصر الكبير على وقع القلق والترقب، بدأت المؤشرات التقنية تعكس تحولا تدريجيا من مرحلة الخطر إلى مرحلة التحكم النسبي. عودة السكان إلى منازلهم الأحد الماضي لم تكن فقط قرارا إداريا، بل إشارة رمزية إلى أن المنطقة تجاوزت لحظة الذروة، ولو مؤقتا.
المقارنة بين أرقام بداية الأزمة ونهايتها المرحلية تكشف حجم الضغط الذي تعرضت له المنشأة. فبعد أن تجاوزت حقينة السد عتبة المليار متر مكعب، مسجلة فائضا بنحو 80 مليون متر مكعب فوق هذا الرقم، تراجعت الكمية إلى حوالي 942 مليون متر مكعب، ما يعني تفريغ ما يقارب 138 مليون متر مكعب في ظرف أسبوع واحد نحو وادي اللوكوس. هذا الانخفاض لا يعكس فقط تحسنا في الوضع، بل يبرز أيضا الدور الحاسم لآليات التفريغ في امتصاص الصدمة المائية.
التحول الأبرز يتجلى في تراجع نسبة الملء من مستويات فاقت 160 في المائة إلى حدود 140 في المائة، وهو منحى تنازلي مهم إذا ما قورن بذروة الأزمة. كما أن انخفاض صبيب مفرغ الحمولات الزائدة من 552 مترا مكعبا في الثانية إلى 255 مترا مكعبا في الثانية يعكس انتقال التدبير من وضعية الاستنفار القصوى إلى مرحلة ضبط أكثر هدوءا للتدفقات.
من زاوية أخرى، يشكل استئناف تشغيل محطة الطاقة الكهرومائية مؤشرا إضافيا على استعادة التوازن.
فبعد توقف اضطراري فرضته الظروف الاستثنائية، عاد الإنتاج عبر صبيب أولي في حدود 45 مترا مكعبا في الثانية، مع توقع الرفع التدريجي إلى 82 مترا مكعبا في الثانية، وهو المستوى الاعتيادي. هذا التطور لا يحمل فقط بعدا تقنيا، بل يرمز إلى عودة السد إلى أداء وظائفه الطبيعية بعد أن كان منشغلا حصريا بتدبير فائض المياه.
أما على مستوى علو المياه، فقد تراجع المنسوب من أكثر من 72 مترا في ذروة الأزمة إلى 67.35 مترا، وهو فارق مهم إذا ما استحضرنا أن كل متر إضافي كان يعني ضغطا مضاعفا على البنية وعلى أعصاب الساكنة والمسؤولين على حد سواء. صمود السد أمام هذه الاختبارات القاسية يعزز الثقة في بنيته، لكنه يفتح في الآن ذاته نقاشا حول جاهزية المنظومة ككل لمواجهة سيناريوهات مناخية أكثر تطرفا في المستقبل.
المقارنة بين لحظة الفيضان ولحظة الانفراج تبرز كذلك الكلفة الاجتماعية والاقتصادية للأزمة. فبينما استعادت المدينة جزءا من إيقاعها الطبيعي، ما تزال آثار الفيضانات ماثلة في أحياء غمرتها المياه، وفي أراضٍ فلاحية فقد أصحابها موسما كاملا. وهنا يظهر الفرق بين استقرار المؤشرات التقنية وتعافي الواقع المعيشي، إذ إن الأرقام قد تطمئن، لكن التعافي المجتمعي يحتاج زمنا أطول.
التوقعات الجوية التي تشير إلى غياب تساقطات خلال الأسبوعين المقبلين تمنح هامشا إضافيا لتدبير الوضع بأريحية أكبر، وتتيح للسد مواصلة تفريغ حمولاته الزائدة بشكل تلقائي عبر المفيضة. غير أن التجربة الأخيرة تضع الجميع أمام ضرورة الانتقال من منطق تدبير الأزمات إلى منطق الاستباق، خاصة في ظل التحولات المناخية التي تجعل من “الاستثنائي” واقعا متكررا.
في المحصلة، ما بين 180 في المائة من الملء و140 في المائة اليوم، تتجسد قصة اختبار حقيقي لمنشأة استراتيجية ولمنظومة تدبير مائي كاملة. لقد تجاوز سد وادي المخازن لحظة الخطر القصوى، لكن الدرس الأعمق يكمن في كيفية تحويل هذه التجربة من مجرد نجاة تقنية إلى فرصة لإعادة تقييم سياسات الوقاية، والإنذار المبكر، وحماية المجالين الحضري والفلاحي من صدمات مشابهة مستقبلا.





