
بورصة الدار البيضاء تواصل الزحف الصعودي: هل يدق المؤشر الرئيسي أبواب القمة التاريخية؟
الدارالبيضاء: إستثمار
في مشهد يعكس تنفس الأسواق المالية المغربية الصعداء، استهلت بورصة الدار البيضاء تعاملات يوم الجمعة على وقع أداء إيجابي لافت، حيث قفز المؤشر الرئيسي “مازي” بنسبة 0.52% ليصل إلى 17,441.44 نقطة، معززاً بذلك سلسلة المكاسب التي تشهدها السوق خلال الجلسات الأخيرة. هذا الارتفاع ليس مجرد رقم عابر في شاشات التداول، بل يحمل في طياته مؤشرات عميقة على تحول في معنويات المستثمرين الذين يبدو أنهم استعادوا شهيتهم للمخاطرة في ظل بيئة اقتصادية كلية تحافظ على تماسكها النسبي رغم التقلبات العالمية.
وإذا كان مؤشر “مازي” يعكس الأداء العام للسوق، فإن المتتبع لحركة المؤشرات الموازية يلمس بوضوح طبيعة القوى المحركة لهذا الصعود. فقد حقق مؤشر MASI.20، الذي يضم أكبر 20 شركة مدرجة من حيث الرسملة والسيولة، مكاسب أكثر قوة بلغت 0.71% ليستقر عند 1,325.63 نقطة، مما يؤكد أن الأسهم القيادية تقود الموجة الصاعدة بفضل ثقلها المالي وأدائها التشغيلي المستقر الذي يجذب التدفقات المؤسسية. هذا التفوق النسبي لمؤشر الشركات الكبرى يعكس توجه المستثمرين نحو الملاذات الآمنة داخل السوق، في خطاب ضمني عن تفضيل السيولة والعوائد المستقرة وسط غموض المشهد العالمي.
لكن اللافت في هذه الجلسة هو الأداء المتميز لمؤشر MASI.ESG، الذي يقيس أداء الشركات الأكثر التزاماً بمعايير الاستثمار المسؤول بيئياً واجتماعياً وحوكمة الشركات، حيث سجل ارتفاعاً بنسبة 0.69% ليصل إلى 1188 نقطة. هذا الصعود يتجاوز كونه مجرد رقم، ليكشف عن وعي متزايد لدى الفاعلين في السوق المالية المغربية بأهمية الاستدامة كمعيار استثماري، خاصة في سياق دولي يزداد فيه الطلب على الأوراق المالية الخضراء والمسؤولة اجتماعياً. فالمستثمر المؤسسي اليوم، خصوصاً الأجنبي منه، لم يعد يكتفي بالعائد المالي فقط، بل بات يبحث عن بصمة بيئية وإيجابية في استثماراته، وهو ما يبدو أن بورصة الدار البيضاء بدأت في استيعابه وتطويره.
أما على مستوى الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي غالباً ما تعاني من تذبذبات أكبر بسبب محدودية سيولتها، فقد سجل مؤشر MASI Mid and Small Cap ارتفاعاً بنسبة 0.26% ليستقر عند 1793.41 نقطة. ورغم أن هذه النسبة تبدو متواضعة مقارنة بباقي المؤشرات، إلا أنها تحمل دلالة إيجابية مهمة، فهي تشير إلى أن موجة التفاؤل بدأت تنسحب تدريجياً نحو العمق، وأن سيولة السوق لم تعد محصورة فقط في الأسهم الكبرى، بل بدأت تلامس الشركات الصغيرة التي تمثل نسيج الاقتصاد الحقيقي.
وإذا انتقلنا إلى المقارنة مع بعض الأسواق الإقليمية، نجد أن بورصة الدار البيضاء تحافظ على وتيرة صعود تختلف عن بعض جيرانها. ففي الوقت الذي تعاني فيه بورصات خليجية من تقلبات مرتبطة بسعر النفط والتوترات الجيوسياسية، أو تواجه بورصة مصر ضغوطاً تضخمية وانخفاض في قيمة العملة، تبدو السوق المغربية أكثر استقراراً نسبياً، مدعومة بسياسة نقدية متزنة وعلاقة مستقرة مع المؤسسات المالية الدولية. هذا التمايز يجعل من الدار البيضاء وجهة محتملة لبعض رؤوس الأموال التي تبحث عن ملاذ آمن في شمال إفريقيا، خاصة مع استمرار حالة عدم اليقين في الأسواق الناشئة الأخرى.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل هذا الصعود مبني على أسس متينة أم أنه مجرد موجة عابرة؟ الواقع أن قراءة متأنية لمكونات السوق تشير إلى أن المحرك الأساسي لهذا التفاؤل يتمثل في التوقعات الإيجابية للنتائج المالية للشركات المدرجة خلال الفترة المقبلة، إضافة إلى استمرار تدفق التحويلات المالية للمغاربة المقيمين بالخارج، وعودة السياح بشكل قوي، وانخفاض تكاليف الطاقة مقارنة بالعام الماضي. كلها عوامل تدعم أرباح الشركات وبالتالي تدعم تقييماتها في السوق.
في المحصلة، يرسم افتتاح يوم الجمعة صورة لبورصة تتحرك بثقة، مدعومة بعوامل داخلية صلبة وتفاؤل حذر تجاه المحيط الخارجي. ومع اقتراب المؤشر الرئيسي من مستويات قياسية جديدة، تبقى الأعين شاخصة نحو قدرة هذا الزخم على الصمود في وجه أي تقلبات دولية مفاجئة، فأسواق المال تظل كائنات حساسة، تتأرجح بين التفاؤل والخوف، وتكتب قصصها يوماً بعد يوم على شاشات التداول.





