
بين نمو قوي ورياح حرب الشرق الأوسط… هل يغامر بنك المغرب بخفض الفائدة أم يختار سياسة الانتظار؟
الرباط: إستثمار
تتجه أنظار الفاعلين الاقتصاديين في المغرب نحو الاجتماع الفصلي المرتقب لمجلس Bank Al‑Maghrib في الرباط، في لحظة تبدو فيها المعادلة النقدية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
فالمملكة تدخل عام 2026 بأداء اقتصادي قوي يفتح نظرياً الباب أمام تخفيف السياسة النقدية، لكن في المقابل تتصاعد المخاطر الجيوسياسية العالمية، خصوصاً في الشرق الأوسط، ما يضع صناع القرار أمام معادلة دقيقة بين دعم النمو والحفاظ على الاستقرار.
اقتصادياً، تبدو المؤشرات الداخلية مشجعة. فقد سجل المغرب خلال العام الماضي نمواً يناهز 5%، وهو من أعلى المعدلات خلال السنوات الأخيرة، في حين تراجع التضخم إلى حدود 0.8%، وهو مستوى مريح مقارنة بموجة التضخم العالمية التي عرفتها السنوات الماضية. في السياق النظري للسياسات النقدية، يشكل هذا الوضع مبرراً واضحاً لخفض سعر الفائدة من أجل تحفيز الاستثمار وتخفيف كلفة التمويل.
غير أن التجربة المغربية خلال السنوات الأخيرة أظهرت أن السياسة النقدية في البلاد تميل إلى الحذر أكثر من المجازفة. فالفريق الذي يقوده والي البنك المركزي Abdellatif Jouahri اختار نهجاً تدريجياً، مكتفياً خلال عام 2025 بخفض محدود لسعر الفائدة بلغ 25 نقطة أساس ليستقر عند 2.25%، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها محاولة لموازنة دعم النشاط الاقتصادي مع تفادي أي عودة مفاجئة للتضخم.
هذا الحذر يجد تفسيره أيضاً في قراءة أعمق لتوازنات الاقتصاد. فوفق تحليلات صادرة عن Attijari Global Research، فإن الحفاظ على استقرار التضخم يظل أولوية قصوى، لأن أي تيسير نقدي سريع قد يؤدي إلى إعادة تنشيط الضغوط التضخمية، خصوصاً في اقتصاد ما زال يتأثر بتقلبات الأسواق الدولية وأسعار الطاقة والمواد الغذائية.
وفي المقابل، يواجه النظام البنكي المغربي تحدياً آخر يتمثل في العجز الهيكلي في السيولة نتيجة تزايد الطلب على التمويل. هذا الوضع جعل البنك المركزي خلال عام 2025 يلعب دوراً محورياً في ضخ السيولة للحفاظ على استقرار السوق النقدية، ما يؤكد أن السياسة النقدية لا تتحرك فقط وفق مؤشرات التضخم والنمو، بل أيضاً وفق توازنات القطاع المالي نفسه.
وتزداد حساسية القرار النقدي في المغرب عند النظر إلى المرحلة الاقتصادية المقبلة. فالبلاد تستعد لدورة استثمارية ضخمة قد تتجاوز 1000 مليار درهم بين 2026 و2028، وهو رقم يعكس حجم المشاريع الكبرى المرتقبة في البنية التحتية والصناعة والطاقة. في هذا السياق يصبح خفض كلفة التمويل مطلباً اقتصادياً ملحاً، لأن الاستثمارات المرتقبة قد تمثل نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعل تكلفة القروض عاملاً حاسماً في وتيرة تنفيذها.
لكن هذه المعادلة الداخلية لا يمكن فصلها عن السياق الدولي المضطرب. فتصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وتأثيرها المحتمل على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، يفرضان على البنوك المركزية حول العالم نوعاً من الحذر الاستباقي. ففي مثل هذه الظروف قد يتحول أي قرار بتيسير السياسة النقدية إلى مخاطرة إذا ما عادت موجة تضخم عالمية جديدة.
لهذا السبب يتوقع عدد من المحللين أن تتحرك السياسة النقدية المغربية خلال العام الجاري في نطاق ضيق بين خيارين: إما خفض محدود للفائدة لا يتجاوز 25 نقطة أساس ليصل إلى حدود 2%، أو الإبقاء على المستوى الحالي لفترة أطول لمراقبة تطورات التضخم والاقتصاد العالمي.
وفي الواقع، لا يبدو أن قوة النمو الاقتصادي وحدها كافية لدفع البنك المركزي إلى اتخاذ قرار سريع بالتيسير النقدي. فالتجربة الحديثة أظهرت أن الحفاظ على الاستقرار المالي والتضخمي يظل أولوية استراتيجية لدى صناع القرار، حتى لو كان ذلك على حساب تسريع وتيرة التحفيز الاقتصادي.
وعليه، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب هو تبني مرحلة من “التثبيت النقدي” خلال الاجتماعين المقبلين لمجلس البنك المركزي، في انتظار وضوح أكبر في اتجاهات التضخم العالمية واستدامة النمو الداخلي. فبين اقتصاد محلي قوي وعالم مضطرب، يبدو أن الرهان الحقيقي لبنك المغرب لن يكون فقط دعم النمو، بل حماية التوازنات الاقتصادية في زمن تتزايد فيه الصدمات الخارجية.





