حرب إيران تلهب أسواق الطاقة… هل يصمد مخزون المغرب أمام عاصفة النفط العالمية؟

الرباط: نارمان بنمسعود

لم تعد التوترات العسكرية المتصاعدة في الشرق الأوسط مجرد صراع إقليمي محدود تداعياته في ساحات المواجهة، بل تحولت بسرعة إلى عامل ضغط مباشر على الاقتصاد العالمي وعلى الحياة اليومية للمستهلكين في مختلف الدول، خصوصًا تلك التي تعتمد على استيراد الطاقة. فمع اتساع رقعة التصعيد، بدأت أسواق النفط تسجل اضطرابات غير مسبوقة، انعكست في موجة ارتفاع جديدة لأسعار الوقود، وسط حالة من القلق والترقب التي تهيمن على الفاعلين الاقتصاديين عبر العالم.

وتشير المؤشرات الأولية إلى أن تداعيات الحرب المرتبطة بإيران قد لا تكون ظرفية أو قصيرة الأمد، إذ يرى محللون أن الاضطراب الذي أصاب منظومة الإمدادات النفطية قد يستمر لأسابيع أو حتى أشهر، حتى في حال توقف العمليات العسكرية بسرعة.

فالأضرار التي لحقت ببعض المنشآت الطاقية، إضافة إلى تعطل سلاسل النقل وارتفاع المخاطر المرتبطة بالشحن البحري، كلها عوامل تجعل استعادة وتيرة الإمدادات الطبيعية عملية معقدة تتطلب وقتًا وجهودًا لوجستية كبيرة.

وقد بدأت آثار هذا الاضطراب بالفعل بالظهور في السوق الدولية، حيث ارتفعت أسعار النفط بنحو 24 في المئة خلال أسبوع واحد فقط، وهو ارتفاع يعكس حجم القلق الذي يسود الأسواق بشأن مستقبل الإمدادات. ويزداد هذا القلق مع استهداف طهران لسفن تمر عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل الطاقة في العالم، فضلًا عن هجمات طالت بنية تحتية نفطية في عدد من دول المنطقة.

ويمثل هذا المضيق شريانًا حيويًا لتجارة الطاقة العالمية، إذ إن تعطله شبه الكامل يعني عمليًا توقف تدفق جزء كبير من النفط القادم من دول الخليج. وتشير التقديرات إلى أن كبار المنتجين في المنطقة، مثل السعودية والإمارات والعراق والكويت، قد يضطرون إلى تعليق شحنات تصل إلى نحو 140 مليون برميل من النفط، وهو ما يعادل تقريبًا استهلاك العالم لأكثر من يوم واحد، وهو رقم كفيل بإحداث اختلالات واسعة في ميزان العرض والطلب داخل السوق الدولية.

غير أن انعكاسات هذه الأزمة تختلف من بلد إلى آخر تبعًا لقدرة كل اقتصاد على امتصاص الصدمات الطاقية. ففي الحالة المغربية، تبدو الصورة أكثر توازنًا مقارنة بما قد يحدث في دول أخرى أقل استعدادًا، إذ تشير المعطيات المتوفرة إلى أن تموين السوق الوطنية بالمحروقات لا يزال في وضع مستقر نسبيًا، بفضل توفر مخزون يمكنه تغطية حاجيات الاستهلاك الداخلي لمدة تقارب ثلاثين يومًا.

ويعكس هذا الاحتياطي، بحسب عدد من المتابعين، درجة من الجاهزية التي راكمها المغرب خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد التجارب الصعبة التي فرضتها الأزمات الجيوسياسية السابقة، وعلى رأسها الحرب الروسية الأوكرانية التي هزت أسواق الطاقة العالمية وأجبرت العديد من الدول على إعادة التفكير في استراتيجياتها الطاقية.
وفي هذا السياق، ترى الباحثة في علوم الاقتصاد والتدبير بجامعة ابن طفيل، أحلام قفص، أن التجارب السابقة مكنت المغرب من تعزيز قدرته على تدبير المخاطر المرتبطة بتقلبات أسعار النفط، مؤكدة أن السوق الوطنية تبقى مرتبطة بشكل مباشر بتطورات الأسعار في الأسواق الدولية، لكنها في الوقت نفسه تتأثر بعوامل داخلية أهمها مستوى المخزون المتوفر قبل اندلاع الأزمات.

وبحسب هذا التحليل، فإن توفر احتياطي يغطي شهرًا من الاستهلاك يمنح السلطات الاقتصادية هامشًا زمنيًا مهمًا للتعامل مع التطورات الدولية، إذ يسمح بانتظار استقرار نسبي في الأسواق قبل أن تنتقل موجات الارتفاع القوي إلى الأسعار المحلية. وهو ما يجعل تأثير الأزمة الحالية، على الأقل في مرحلتها الأولى، أقل حدة مما قد يبدو عليه المشهد في الأسواق العالمية.
ومع ذلك، فإن هذا الوضع المريح نسبيًا لا يلغي حقيقة أن المغرب، كغيره من الاقتصادات المستوردة للطاقة، يظل معرضًا لتداعيات الاضطرابات الدولية إذا طال أمد الأزمة. لذلك يظل عنصر اليقظة في تدبير الإمدادات الطاقية عاملًا حاسمًا خلال هذه المرحلة، إلى جانب أهمية ترشيد الطلب الداخلي على الطاقة، خصوصًا في قطاع النقل الذي يمثل أحد أكبر مصادر استهلاك المحروقات.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو المعركة الحقيقية بالنسبة للدول المستوردة للطاقة ليست فقط في مواجهة تقلبات الأسعار، بل في قدرتها على إدارة الزمن بين الصدمة الأولى للأزمة وبين عودة التوازن إلى السوق العالمية. فبينما تشتعل جبهات الصراع في الشرق الأوسط، تخوض اقتصادات عديدة معركة موازية لضمان أمنها الطاقي وتجنب انتقال الاضطرابات الجيوسياسية إلى تفاصيل الحياة اليومية لمواطنيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى