
حين تتحول الأسمدة إلى سلاح جيوسياسي: من يربح في فوضى الإمدادات العالمية؟
الرباط: حفيظة حمودة
تعيش أسواق الأسمدة على وقع اهتزازات حادة تعكس أكثر من مجرد خلل ظرفي في العرض والطلب، إذ تكشف عن تحوّل عميق في طبيعة هذه الصناعة التي باتت رهينة التوترات الجيوسياسية، خاصة في الشرق الأوسط. فمع تصاعد الاضطرابات في المنطقة، لم تعد سلاسل التوريد تعمل بالمرونة المعتادة، بل أصبحت عرضة لانقطاعات مفاجئة دفعت أسعار المدخلات الزراعية إلى مستويات مقلقة، ما يضع الأمن الغذائي العالمي، خصوصاً في الدول النامية، أمام اختبار صعب.
هذا الوضع لا ينفصل عن الطبيعة المركزة لصناعة الأسمدة، حيث تعتمد بشكل كبير على مراكز إنتاج محدودة في منطقة الخليج. ومع تعثر حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يشكل شرياناً أساسياً يمر عبره جزء كبير من صادرات الأسمدة النيتروجينية، تفاقمت الضغوط على الإمدادات العالمية، وارتفعت تكاليف النقل والإنتاج بشكل لافت، لتتحول الأزمة من ظرفية إلى هيكلية.
وفي موازاة ذلك، عمّقت التطورات الميدانية داخل بعض الدول الخليجية من حدة الاختلال، بعد تقليص أو توقف نشاط وحدات صناعية كبرى تمثل أعمدة إنتاج مواد أساسية مثل الأمونيا واليوريا والكبريت. ومع اتجاه دول رئيسية مصدرة، على غرار السعودية وقطر والإمارات، إلى تقليص صادراتها لحماية أسواقها الداخلية، ازداد الاختناق في العرض العالمي، ما غذّى موجة ارتفاع الأسعار.
ولم تقف الضغوط عند هذا الحد، إذ ساهمت الصين، باعتبارها لاعباً محورياً في السوق، في تعقيد المشهد عبر الإبقاء على قيود صارمة على صادرات الأسمدة بهدف تأمين احتياجاتها المحلية، وهو ما قلّص الكميات المتاحة دولياً ودفع الأسعار نحو مستويات قياسية.
وسط هذه الفوضى، يبرز المغرب كأحد المستفيدين الاستراتيجيين من إعادة تشكيل خريطة الإمدادات العالمية.
فامتلاكه لاحتياطات ضخمة من الفوسفاط، تُعد الأكبر عالمياً، يمنحه ثقلاً حقيقياً في السوق، كما أن موقعه الجغرافي البعيد نسبياً عن بؤر التوتر يضمن له استقراراً في الإنتاج والتصدير. هذه المعطيات مكنت المملكة من توسيع حضورها في أسواق متعددة، من الولايات المتحدة إلى أمريكا اللاتينية مروراً بأوروبا وعدد من الدول الإفريقية، في وقت تبحث فيه هذه الأسواق عن موردين أكثر موثوقية.
وبينما تعاني قوى تقليدية من ارتدادات الأزمات، يبدو أن التحولات الجارية تعيد رسم موازين القوة في سوق الأسمدة، حيث لم تعد الوفرة وحدها معيار الهيمنة، بل أصبح الاستقرار الجيوسياسي والقدرة على تأمين الإمدادات العامل الحاسم في تحديد الرابحين والخاسرين في لعبة تتجاوز الاقتصاد إلى عمق الأمن الغذائي العالمي.





