
الخبز المغربي في قلب المفارقة.. غذاء يومي يتحول إلى أكبر ضحية للهدر داخل الأسر
الرباط: خالد المعطاوي
يكشف بحث علمي حديث عن مفارقة لافتة في السلوك الغذائي للأسر المغربية، فبينما يحتل الخبز مكانة مركزية على موائد المغاربة باعتباره مادة أساسية لا يكاد يخلو منها أي بيت، أصبح في المقابل أكثر المنتجات الغذائية تعرضا للتخلص والرمي، متقدما بذلك على اللحوم والأسماك وغيرها من المواد التي ترتبط عادة بكلفة مالية أكبر.
الدراسة المنشورة في مجلة “Frontiers in Sustainable Food Systems”، والتي اعتمدت على بحث ميداني شمل 442 شخصا من أسر بإقليم القنيطرة، تسلط الضوء على ظاهرة هدر الطعام داخل المنازل المغربية، محاولة تفكيك العوامل التي تتحكم في هذا السلوك، وما إذا كان مرتبطا بالمستوى الاقتصادي للأسر أو بطريقة تدبيرها للغذاء.
وأظهرت نتائج البحث أن الخبز يأتي في مقدمة المواد الغذائية التي ينتهي بها الأمر في النفايات، في حين سجلت اللحوم والأسماك نسب هدر أقل، وهو ما يعكس اختلافا في طريقة تعامل الأسر مع المواد الغذائية حسب قيمتها الاقتصادية وطبيعة استهلاكها اليومي.
ويفسر الباحثون تصدر الخبز لهذه القائمة بكونه مادة حاضرة بشكل دائم في الحياة اليومية للمغاربة، ويتم اقتناؤه أو تحضيره بشكل متكرر، ما يجعل احتمال وجود فائض منه أكبر، خاصة مع فقدانه السريع للطراوة وتحوله إلى مادة غير مرغوبة لدى بعض الأسر بعد مرور وقت قصير على شرائه.
في المقابل، يبدو أن ارتفاع تكلفة اللحوم والأسماك يدفع الأسر إلى مزيد من الحذر في التعامل معها، سواء من خلال اقتناء كميات محسوبة أو الحرص على استهلاكها بالكامل، وهو ما يقلل من حجم ما يتم التخلص منه مقارنة بالخبز.
غير أن هدر الخبز لا يرتبط فقط بقيمته المادية البسيطة، بل يخفي وراءه تكلفة بيئية واقتصادية كبيرة، إذ إن إنتاج رغيف واحد يمر عبر سلسلة طويلة تبدأ بزراعة الحبوب واستهلاك المياه والطاقة، ثم النقل والتحويل والتوزيع، قبل أن يصل إلى مائدة المستهلك.
وبالتالي فإن التخلص منه يمثل هدرا لمجموعة من الموارد التي تم استنزافها خلال مراحل الإنتاج.
ومن أبرز خلاصات الدراسة أيضا أن مستوى دخل الأسر لا يشكل عاملا حاسما في تفسير حجم هدر الطعام، إذ لم يجد الباحثون علاقة إحصائية واضحة بين القدرة الشرائية وكمية الأغذية التي يتم التخلص منها.
وتشير هذه النتيجة إلى أن الأسر ذات الدخل المرتفع ليست بالضرورة الأكثر تبذيرا، كما أن محدودي الدخل ليسوا دائما الأقل هدرا، ما يؤكد أن العامل الأساسي قد يكون مرتبطا بأسلوب تدبير الطعام داخل المنزل أكثر من ارتباطه بالوضع المالي.
وتبرز في هذا السياق مجموعة من الممارسات التي يمكن أن تلعب دورا في تقليص الظاهرة، من قبيل التخطيط المسبق للمشتريات، وتحديد الكميات المناسبة قبل إعداد الوجبات، وتحسين طرق حفظ الأغذية، إضافة إلى إعادة استعمال بقايا الطعام بدل التخلص منها.
كما تكشف الدراسة أن بعض العادات الاجتماعية والاستهلاكية قد تساهم في تفاقم الهدر، خصوصا عندما يتم شراء مواد غذائية بكميات تفوق الحاجة أو إعداد وجبات أكبر من قدرة الأسرة على الاستهلاك الفعلي.
واعتمد البحث على تصريحات المشاركين حول سلوكهم الغذائي خلال الفترة الممتدة من يناير إلى يونيو 2022، وليس على قياس مباشر لكميات النفايات الغذائية داخل المنازل، وهو ما يجعل الباحثين يؤكدون الحاجة إلى دراسات أوسع تشمل مناطق مختلفة وفئات اجتماعية متعددة، إضافة إلى اعتماد قياسات ميدانية دقيقة لمعرفة الحجم الحقيقي للظاهرة.
وتضع هذه النتائج المجتمع المغربي أمام تحد اقتصادي وبيئي وثقافي في آن واحد، فالمشكلة لا تكمن فقط في كمية الطعام التي تضيع، بل في الموارد التي تهدر معها. وبينما يحتفظ الخبز بمكانته الرمزية والثقافية داخل المائدة المغربية، يبدو أن الحاجة أصبحت ملحة لإعادة النظر في طرق اقتنائه وتدبيره، حتى لا يتحول الغذاء الأكثر حضورا في الحياة اليومية إلى أكثر المنتجات تعرضا للإهمال والهدر.





