مدونة شغل من زمن آخر.. هل تُعيد الحكومة التوازن بين حماية الشغيلة وإنعاش الاستثمار؟

الرباط: إستثمار

في سياق اقتصادي واجتماعي يفرض تحولات متسارعة، دعا يونس السكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، إلى مراجعة شاملة وعاجلة لمدونة الشغل، التي اعتبرها غير مواكبة للواقع المغربي الحالي، بعد مرور أكثر من عقدين على دخولها حيز التنفيذ.

وجاءت تصريحات الوزير خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس النواب، حيث شدد على أن النص الحالي أصبح عاجزًا عن الاستجابة لمتطلبات سوق الشغل الجديد، الذي تشكّله دينامية الاستثمار ومشاريع كبرى مثل الاستعدادات لتنظيم كأس العالم 2030، إلى جانب ظهور أنماط عمل بديلة وقطاعات مهنية جديدة تحتاج إلى حماية قانونية واضحة.

بين إرادة الإصلاح وتحديات التطبيق

السكوري أكد أن الحكومة واعية بتعقيدات الظرفية الحالية، وتتحرك وفق رؤية متكاملة قوامها التكوين والتشغيل والاستثمار، لكن مدونة الشغل، بصيغتها الحالية، تشكل في بعض بنودها عائقًا أمام المرونة المطلوبة في السوق، كما لا توفر الحماية الكافية لفئات واسعة من العمال، خاصة أولئك العاملين في ظروف هشّة مثل حراس الأمن الخاص أو العاملين ضمن الاقتصاد الرقمي عبر التطبيقات والمنصات.

وتبرز هنا إشكالية التوازن بين مطلب تحرير السوق لتشجيع الاستثمار، والحاجة لضمان حد أدنى من العدالة الاجتماعية والكرامة للعاملين، خاصة مع تزايد الشكاوى من هشاشة ظروف العمل، وغياب التغطية الاجتماعية أو الأجور المنصفة لفئات واسعة من الشغيلة غير المهيكلة.

العمل البديل.. والفراغ القانوني

من أبرز النقاط التي أثارها الوزير كذلك، هي الدعوة إلى إدماج صيغ العمل البديلة مثل العمل عن بعد والعمل الجزئي، التي أصبحت واقعاً معيشاً بعد الجائحة، دون أن تجد لها انعكاساً تشريعياً في المدونة الحالية. وفي غياب إطار قانوني يؤطر هذه الصيغ، يظل آلاف المستخدمين عرضة للاستغلال أو التهميش.

الحوار الاجتماعي.. ضرورة لا خيار

في حديثه، لم يغفل السكوري أهمية الحوار الاجتماعي كرافعة للإصلاح. فنجاح أي تعديل لمقتضيات مدونة الشغل، حسب تصوره، يمرّ عبر إشراك فعّال للنقابات والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، بما يضمن توازن المصالح ويُبقي على السلم الاجتماعي، في وقت تتصاعد فيه الضغوط على سوق الشغل بسبب نسب البطالة المرتفعة، خاصة في صفوف الشباب.

نحو مدونة شغل جديدة.. أم إصلاح شكلي؟

الوزير دعا إلى نقاش وطني مفتوح حول مدونة الشغل، يشمل البرلمان والفرقاء الاجتماعيين والمقاولات، مؤكداً أن الهدف ليس فقط تحديث نص قانوني، بل بناء مناخ عمل جديد يحرّر طاقات الشباب، ويدفع بعجلة التنمية، ويُعزز ثقة المستثمرين دون التضحية بالعدالة الاجتماعية.

لكن يبقى السؤال الجوهري: هل ستُفضي هذه الدعوات إلى إصلاح حقيقي يعيد رسم العلاقة بين رأس المال والعمل؟ أم أننا أمام تعديل جزئي قد لا يمس جوهر الإشكالات العالقة؟ الجواب رهين بمدى التزام الحكومة بتنزيل إصلاحات عميقة، تقطع مع منطق الحلول الترقيعية وتؤسس لمدونة شغل تستشرف مغرب المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى