سباق التشريعيات… بين وهم “المرشح الجاهز” وأزمة الاختيار السياسي

عبدالعالي بنلياس: أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية

على بعد ستة أشهر من الانتخابات أعضاء وعضوات مجلس النواب بدأت الساحة السياسية والحزبية تعرف تحركات ملحوظة تستوجب الوقوف عندها لمحاولة فهمها، لأن الأمر يتعلق بلحظة ديمقراطية سوف ترهم مستقبل المغرب لمدة خمس سنوات.

ويوجد على رأس هذه التحركات انسحاب رئيس الحكومة ورئيس حزب الأحرار من المشهد الحزبي، حيث شكل قرار عدم ترشحه لولاية جديدة على رأس حزب الأحرار مفاجأة لجميع المتابعين للحياة السياسية لبلدنا، بحكم أن الرجل كان يستعد بكل عزم وإصرار وثقة لخوض معركة الانتخابات البرلمانية من أجل تصدر نتائج الانتخابات والاستمرار في رئاسة الحكومة لولاية ثانية.

ولكن الأمتار القليلة من محطة الوصول في المسافات الطويلة لا تحسب فقط من خلال الرغبة والإسرار، بل بعوامل أخرى تلعب دورها في تحديد المسارات، وفي مقدمتها القيمة المضافة التي يقدمها للحياة السياسية والاجتماعية، أو العكس من ذلك التكلفة والعبء الذي يشكله على النظام السياسي والاجتماعي لبلادنا.

فشخصية الرجل التي أتت من عالم المال والأعمال تفوقت على شخصية السياسي، ليس من الجانب التدبيري ولكن من ناحية طغيان وتفوق رجل المال على رجل السياسة، وتحول الشخص إلى محور كل شيء ليس بالقدرات التي يتوفر عليها ولا بالكاريزما التي يتصف بها ولكن بالمقدرات المالية التي يتمتع بها.

وهذا التداخل بين المال والسلطة هو الذي جعل الحكومة تسقط في فخ استغلال سلطة القرار لخدمة مصالح لوبيات المال والأعمال، وما ظهور كلمة الفراقشية في الخطاب السياسي والإعلامي بكل ما تحمله الكلمة من معاني في المخيال الشعبي، إلا عنوانا بارزا على أن عودة أخنوش إلى واجهة المشهد السياسي سوف يساهم في تآكل نسبة المشاركة السياسية في الانتخابات المقبلة، ويزيد من تكريس الصورة النمطية التي ترسخت لدى عموم المواطنين والمواطنات عن المؤسسات المنتخبة.

كما يلاحظ اليوم كذلك أن ظاهرة الترحال السياسي أو ما يمكن تسميته بالانتقالات الشتوية قد بدأت هذه الولاية بشكل مبكر، حيث أصبحت الاحزاب السياسية تعمل على استقطاب الكائنات الانتخابية القادرة على المنافسة والحصول على مقعد، لأن لا البرامج ولا الخطاب الحزبي اليوم قادر على استقطاب الناخبين، وحتى الاحزاب السياسية تراهن بالدرجة الاولى على شخصية المرشح من حيث امتداداته الاجتماعية وقوته الانتخابية، والتي يستمدها أساسا إما من موقعه القبلي، أو من خلال شبكة العلاقات التي بناها والقائمة على الخدمات والمنافع الاجتماعية، أو القدرة التمويلية التي يتوفر عليها والتي تكون أحيانا مرتبطة بالنشاط الاقتصادي والتجاري والإنتاجي التي تمنحه سلطة على جزء من الهيئة الناخبة.

منطق المرشح الجاهز عوض منطق تكوين النخب الحزبية والسياسية لتكون جاهزة لخوض غمار المنافسة الانتخابية، هو الذي أصبح مستحكما في الترشيحات الانتخابية، وكأننا أمام تحول في وظيفة الأحزاب السياسية من أحزاب سياسية تساهم على مدار السنة في تكوين وتأهيل الكوادر الحزبية إلى أحزاب سياسية تشتغل بمنطق البحث عن المرشحين الأكثر جاهزية ولو كانت خارج التنظيم الحزبي.

انطلاقا من هذا البرغماتية الحزبية نلاحظ اليوم ظهور أسماء في الاعلام الوطني تستعد مغادرة أحزاب والالتحاق بأحزاب أخرى بين صفوف النواب البرلمانيين، والتي لا يحكمها سوى منطق واحد هو البحث عن الحزب الذي يتوفر على فرصة أكبر لقيادة العمل الحكومي، لما يقدمه الحزب الذي يترأس الحكومة من فرص سياسية وانتخابية تجعله متواجدا في الصورة التي تؤثث المشهد السياسي و العمومي والقدرة على استغلال تلك الفرصة للاستمرار في الواجهة، لان موقع المعارضة منذ حكومة التناوب التوافقي أصبح يساهم في تراجع شعبية الأحزاب السياسية، لأن أحزاب المعارضة لا تنظر إلى موقع المعارضة كفرصة لإعادة بناء الذات الحزبية وتجديد خطابها السياسي والتصالح مع قواعدها الانتخابية والحزبية وتقديم نفسها كبديل للتحالف الحكومي القائم.

لذلك لا نوجد أمام تناوب بين الأغلبية والمعارضة، بل نوجد أمام تناوب بين أحزاب الأغلبية، فمنذ حكومة عبدالرحمان اليوسفي فإن التناوب يكون بين مكونات الأغلبية، فحزب الاستقلال الذي قاد حكومة 2007 كان ضمن التحالف الحكومي الذي قاده ادريس جطو سنة 2002 والتحالف الحكومي الذي قاده عبدالرحمن اليوسفي سنة 1998, ونفس الشي ينطبق على حزب الأحرار الذي ترأس حكومة 2021 كان ضمن التحالف الحكومي الذي قاده حزب العدالة والتنمية على التوالي سنتي2012و 2016 بمعنى لا نوجد أمام تناوب بين الأغلبية والمعارضة، فباستثناء حكومة عبد الرحمان اليوسفي وحكومة عبدالإله بنكيران التي كان فيها التناوب بين المعارضة والأغلبية، فإن قيادة الحكومة يكون بين مكونات الأغلبية، وهذا ما يعتبر من مفارقات مخرجات العملية الانتخابية ببلادنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى