
“بين تطلعات وأماني الإصلاح وواقع الاختناق: دار البريهي تُصارع البيروقراطية”

الرباط: إدريس بنمسعود
في خطوة تعكس عمق الاحتقان داخل أروقة دار البريهي، خرجت المنظمة الديمقراطية للشغل (ODT)، النقابة الأكثر تمثيلية داخل الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، برسالة صاخبة موجهة إلى المدير العام للمؤسسة، تُعلن فيها بوضوح أن الوضع لم يعد يُحتمل، وأن ما كان يُدار في الخفاء من تذمر داخلي بدأ يطفو على السطح كأزمة بنيوية تهدد ما تبقى من مصداقية الإعلام العمومي بالمغرب.
الرسالة لم تكتفِ بالتشخيص بل اختارت لغة التحذير الصريح، متحدثة عن “اختناق مهني ومؤسساتي” خانق يُكبل طاقات العاملين، ويضع المؤسسة في مسار تصادمي مع روح الدستور وتوجهات الدولة في تعزيز الحماية الاجتماعية وتحسين أوضاع الشغيلة. فما يُسوق رسميًا من بلاغات وردية بحسب النقابة، ليس سوى مساحيق تجميل لإخفاء تصدعات داخلية لم تعد قابلة للترقيع.
النقابة فضحت ما اعتبرته غيابًا متعمدًا للإرادة الإصلاحية، مشيرة إلى ملفات عالقة تمسّ صميم كرامة المهنيين: من الأجور والتغطية الاجتماعية، إلى شروط العمل داخل وحدات الإنتاج والنقل التلفزي. هذا الواقع – كما تراه ODT – يكشف عن إدارة عاجزة عن المواكبة، مكتفية بسياسة التجاهل والتلميع الإعلامي.
وفي محاولة للخروج من هذا النفق طالبت النقابة بتعيين مسؤول مفوض يمتلك الصلاحيات اللازمة لإطلاق حوار اجتماعي مباشر وشامل، يضع حدًا لحالة الجمود، ويستعيد الثقة المفقودة بين الإدارة ومهنيي المؤسسة. لكن الرسالة تتجاوز مجرد مطلب تفاوضي؛ إنها تُحمّل الإدارة مسؤولية ما قد يترتب عن هذا الانسداد، ملوحة بأن الصمت الرسمي لم يعد يُقرأ إلا كرفض ضمني لأي تغيير.
دار البريهي التي لطالما شكّلت الذاكرة السمعية البصرية للمغاربة تجد نفسها اليوم أمام مفارقة صارخة: إما أن تتحول إلى مختبر حقيقي لإعلام عمومي مستقل ومهني، أو أن تواصل الانحدار نحو نمط بيروقراطي عقيم يُحوّلها إلى مقبرة للكفاءات ومصدرًا للنفور المؤسسي.
ليس ما يجري داخل دار البريهي مجرد أزمة مهنية عابرة، بل هو مرآة تعكس اختلالات أعمق في تصور الدولة لدور الإعلام العمومي ومكانته في المجتمع. فحين تُهمّش الكفاءات، ويُستبدل الحوار بالتعتيم يتحوّل المنبر الوطني إلى منصة مهجورة، تفقد قدرتها على التأثير والربط مع نبض الشارع. السؤال اليوم لم يعد: هل ستُصلح دار البريهي؟ بل: هل هناك من يملك الجرأة لإخراجها من العتمة… قبل فوات الأوان؟





