قانون المحاماة : ثلاث سيناريوهات أمام المحكمة الدستورية

عبدالعالي بنلياس أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري

لم تكن إحالة القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة على المحكمة الدستورية ضمن السيناريوهات المتوقعة. فبعد أشهر من النقاشات الحادة داخل البرلمان، وما رافقها من شد وجذب بين وزارة العدل وهيئات المحامين، بدا أن التصويت النهائي على القانون قد وضع حدا لواحدة من أكثر المحطات التشريعية إثارة للجدل. غير أن رسالة الإحالة التي وجهها رئيس مجلس النواب إلى المحكمة الدستورية أعادت الملف إلى الواجهة، ولكن هذه المرة من بوابة الرقابة الدستورية.

ولا تطرح هذه الإحالة سؤال دستورية بعض مقتضيات القانون فحسب، بل حول مآل محطة فاصلة في مسار إصلاح مهنة تعد إحدى الركائز الأساسية لمنظومة العدالة.

لقد منح دستور سنة 2011، بموجب الفصل 132، للملك، ورئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، وخمس أعضاء مجلس النواب، وأربعين عضوا من مجلس المستشارين، صلاحية إحالة القوانين إلى المحكمة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذها. واستنادا إلى هذا المقتضى، أحال رئيس مجلس النواب القانون على المحكمة الدستورية دون أن يحدد المواد التي يشك في دستوريتها.

وهنا تبرز أهمية ما أصبح يعرف في الفقه الدستوري بـ”الإحالة البيضاء”، أي إحالة النص كاملا دون تحديد المقتضيات المطعون في دستوريتها، وهذه الإحالة ليست مجرد إجراء شكلي، بل تمنح المحكمة سلطة تقديرية في تحديد المقتضيات التي ترى أنها تستوجب الرقابة. وقد كرست المحكمة الدستورية هذا التوجه في قرارها رقم 255/25 المتعلق بقانون المسطرة المدنية، عندما اعتبرت أنها لن تثير تلقائيا إلا المقتضيات التي تبدو لها، بشكل جلي وواضح، مخالفة للدستور.

وبذلك، فإن المحكمة ليست ملزمة بإعادة فحص جميع مواد القانون مادة بمادة، وإنما تراقب ما يظهر لها من مخالفات دستورية، وهو ما يجعل من الإحالة البيضاء إحالة مفتوحة من حيث الشكل، لكنها ليست بالضرورة رقابة شاملة من حيث الموضوع.

أما من الناحية الإجرائية، فقد ألزم الدستور المحكمة الدستورية بالبت في دستورية القوانين داخل أجل ثلاثين يوما من تاريخ الإحالة، مع إمكانية تقليص هذا الأجل إلى ثمانية أيام إذا طلبت الحكومة البت على وجه الاستعجال. وخلال هذه الفترة، يعين رئيس المحكمة مقررا لإعداد تقرير بشأن القانون، كما يفتح المجال أمام الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان وأعضاء المجلسين لتقديم ملاحظات كتابية حول النص المعروض.

غير أن الجانب الأكثر أهمية لا يكمن في الإجراءات، وإنما في مآلات القرار الدستوري. فالقاضي الدستوري يجد نفسه أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية.

يتمثل السيناريو الأول في التصريح بمطابقة القانون للدستور، بعد التأكد من سلامة مسطرته التشريعية وعدم تعارض مقتضياته مع أحكام الوثيقة الدستورية. وفي هذه الحالة يستأنف مسار إصدار الأمر بتنفيذه ونشره في الجريدة الرسمية، ليصبح نافذا.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في التصريح بعدم دستورية القانون، بما يحول دون إصدار الأمر بتنفيذه، وهو احتمال يظل واردا إذا اعتبرت المحكمة أن المخالفة الدستورية تمس جوهر النص أو بنيته العامة بصورة يتعذر معها فصل المقتضيات المخالفة عن باقي أحكامه.

السيناريو الثالث ، ويتمثل في التصريح بعدم دستورية مادة واحدة أو عدد محدود من المقتضيات، مع إمكانية فصلها عن باقي النص. وفي هذه الحالة يجوز إصدار الأمر بتنفيذ القانون ، مع استبعاد المقتضيات التي قضت المحكمة بعدم دستوريتها.

غير أن الأهمية الحقيقية لهذه الإحالة لا تكمن فقط في النتيجة التي ستخلص إليها المحكمة، وإنما في الرسالة التي تحملها. فهي تؤكد أن انتهاء المسطرة البرلمانية لا يعني نهاية المسار التشريعي، وأن البرلمان، مهما بلغ حجم التوافق السياسي داخله، لا يملك الكلمة الأخيرة عندما يتعلق الأمر بسمو الدستور.

كما تكشف هذه الإحالة عن تحول مهم في الثقافة الدستورية المغربية، إذ أصبحت الرقابة الدستورية جزءا من المسار العادي لإنتاج القوانين، وليست مجرد وسيلة استثنائية لإبطالها. فالمحكمة الدستورية لا تمارس رقابة سياسية على اختيارات المشرع، وإنما تتدخل لضمان احترام الحدود التي رسمها الدستور لممارسة السلطة التشريعية.

وفي النهاية، لم تعد معركة قانون المحاماة تدور داخل قبة البرلمان، أو بين الأغلبية والمعارضة، أو بين وزارة العدل وهيئات المحامين، بل انتقلت إلى فضاء مختلف، لا تحسم فيه المواقف السياسية ولا موازين التصويت، وإنما يحسمه منطق الدستور وقواعد التأويل الدستوري. ومن ثم، فإن القرار المرتقب للمحكمة الدستورية لن يكون مجرد جواب عن سؤال يتعلق بقانون ينظم مهنة المحاماة، بل سيشكل اجتهادا جديدا في مسار بناء الرقابة الدستورية بالمغرب، وسابقة ستسهم في تحديد معالم العلاقة بين إرادة المشرع وحدود الدستور في المستقبل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى