
من السباب الجانح إلى السخرية السياسية : نحو ترشيد الغضب السياسي لدى الشباب عبر البلاغة والسيميولوجيا

بقلم: مصطفى المنوزي
مدخل: حين يتكلم الغضب بلسان السوق
في لحظة يغيب فيها الأمل وتضيق منافذ التعبير، يصبح الغضب لدى الشباب فعلاً وجوديًا قبل أن يكون موقفًا سياسيًا. غير أن خطورة الأمر لا تكمن في الغضب ذاته، بل في تحوّله إلى عنف لغوي غير مؤطر، يتجلى في موجات من السباب والقذف والسخرية التافهة التي تسري كالنار في هشيم الفضاء الرقمي. فهل من سبيل إلى ترشيد هذا الغضب؟ هل يمكن تحويله من انفعال عدمي إلى فعل بلاغي نقدي تحويلي؟
1.السخرية السياسية: فن قديم بمهمة جديدة
ليست السخرية السياسية مجرد تنفيس، بل هي شكل راق من المقاومة الرمزية. من هزل “كليلة ودمنة”،إلى خطب ديموقريطس، ومن مسرح شكسبير ودريد لحام محمد صبحي وقفشات حسن الفذ وباسو وكتابات إميل حبيبي … إلى تعليقات الهاشتاغ المغربي المتعددة ، تظل السخرية الذكية بلاغة مضادة تكشف تناقضات السلطة وتعرّي هشاشة الخطاب الرسمي.
إنها ليست فنًّا للضحك فقط بل منظومة دلالية وسيميائية تعيد تشكيل المعنى وتحرّر المخيال من الاستلاب، شرط أن تتقيد بوعي نقدي وبأخلاقيات الخطاب لا بإملاءات الخوارزميات.
2. السيميولوجيا والبلاغة: أدوات لفهم السلطة وتفكيكها.
يجد الشباب اليوم أنفسهم أمام كم هائل من الرموز والشعارات واللغة الجاهزة. وهنا تأتي أهمية اكتساب أدوات التحليل السيميولوجي والبلاغي التي تُمكّن من قراءة النصوص السياسية كخطابات مشفّرة، وفهم بنيات الهيمنة داخل اللغة ذاتها.
السيميولوجيا تسمح بقراءة ما وراء الكلمات:
الإيماءات، الصور، الإيقاع الخطابي، والرمز الخفي.
البلاغة تُعلّمنا كيف نصوغ المعنى بإقناع وجمال لا بعنف وشتائم.
إن فن الخطاب التهذيبي والتواصل المتحضر يربطان بين النقد والمسؤولية، بين الحدة والنباهة وبالتالي، نقترح الانتقال من السخرية العشوائية إلى سخرية واعية، قائمة على تأويل الذوات والخطابات لا على التنقيص منها.
3. من الاستقطاب السلبي إلى الاكتساب الإيجابي
عوض الاصطفاف في معسكرات الإدانة أو التبرير، ينبغي خلق مساحات تربوية وثقافية تُشجع الشباب على التحول من رد الفعل إلى إنتاج المعنى. وهذا يتطلب:
* تكوينات في تقنيات التعبير الساخر والقراءة النقدية.
* ورشات في تحليل الخطاب السياسي عبر أدوات السيميولوجيا والسرديات.
* إشراك الشباب في إنتاج محتوى بديل يتجاوز العدمية، دون السقوط في التبعية.
فالاكتساب الإيجابي لا يعني فقط رفض العنف الرمزي، بل تعويضه بذكاء بلاغي قادر على انتزاع المعنى من بين أنياب العبث.
4. تنبيه ختامي: الحذر من فخ تنازع السرديات
إن اعتماد السخرية السياسية كأداة نقدية لا ينبغي أن يسقطنا في فخ تنازع السرديات وهيمنتها الرمزية، حيث تتحول كل ممارسة خطابية إلى صراع هوياتي أو انتصار سردي فالمطلوب ليس الانخراط في لعبة تمجيد الذات أو تحقير الآخر، بل تحرير الفعل التعبيري من ثقل الاصطفاف والانغلاق، وتحويله إلى أفق مفتوح على مساءلة المعنى وإنتاج البدائل.
فالسخرية الواعية حين تُؤطّر بوعي سيميولوجي وبلاغي تصبح ممارسة تشكك لا تسقط في التشكك وتفكك دون أن تفجر، وتنقد دون أن تستعدي.
5. خاتمة: السخرية مسؤولية ، وتحظى بحماية مرفقية دولتية.
في زمن اللايقين لا يكفي أن نضحك، بل علينا أن نُفكر من خلال الضحك السخرية الحقة لا تهدم فقط، بل تبني بديلًا رمزيًا. وهي بذلك، أقرب إلى شكل من العدالة البلاغية، التي تُخاطب العقل والوجدان معًا.
إن ترشيد الغضب السياسي لدى الشباب يمر عبر تبني منطق السخرية الواعية، المسنودة بأدوات تحليل الخطاب وتقنيات التأويل، في أفق تحويلي يجعل من اللغة فعلًا نضاليًا، لا أداة للتنفيس العدمي.
إن السخرية ينبغي أن تتبنى كخيار سياسي لضمان حرية التعبير لأنها تنتمي للمجال العمومي لكن مستقلة و مؤطرة بمقومات فن العيش وقيم تأهيل الزمن الحر.





