من 550 ألف مستفيد إلى 1.8 مليون.. هل نجح المغرب في فكّ عقدة البناء القروي أم أن الطريق ما زال طويلاً؟

الرباط: نارمان بنمسعود

يشهد ملف التعمير في العالم القروي بالمغرب تحولات متسارعة تعكس توجهاً رسمياً نحو تخفيف القيود الإدارية التي ظلت لسنوات تشكل عائقاً أمام الساكنة القروية في الحصول على تراخيص البناء. وفي هذا السياق، أكدت وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فاطمة الزهراء المنصوري، أن الإجراءات الجديدة المتعلقة بتبسيط شروط البناء أسهمت في توسيع دائرة المستفيدين بشكل غير مسبوق، حيث ارتفع عدد السكان المعنيين من 550 ألف نسمة إلى 1,8 مليون نسمة.

وتكشف هذه الأرقام عن تحول لافت مقارنة بالوضع السابق، إذ كان الحصول على تراخيص البناء في العديد من الدواوير مرتبطاً بشروط عقارية ومجالية معقدة، أبرزها اشتراط حد أدنى للمساحة، وهو ما كان يحرم عدداً كبيراً من الأسر القروية من تسوية أوضاعها القانونية. أما اليوم، فقد أصبح بإمكان سكان آلاف الدواوير الاستفادة من مساطر أكثر مرونة، بعد أن ارتفع عدد الدواوير المحددة من 975 إلى 4698 دواراً، واتسعت المساحة المشمولة بالإجراءات الجديدة من 15 ألف هكتار إلى 130 ألف هكتار.

ومن زاوية أخرى، تعكس الأرقام المتعلقة بطلبات التراخيص حجم الإقبال على هذه التسهيلات.

فعدد الملفات المدروسة قفز من حوالي 53 ألف طلب إلى أكثر من 193 ألف طلب، بينما ارتفع عدد المشاريع المرخصة من 28 ألف مشروع إلى ما يفوق 111 ألف مشروع. وهذه المؤشرات توحي بأن جزءاً مهماً من البناء الذي كان يتم خارج القنوات القانونية وجد طريقه نحو التقنين والاستفادة من المساطر الرسمية.

وعند مقارنة وضعية السكن القروي قبل وبعد صدور الدورية التنظيمية، يتضح أن الطلب الأكبر يظل موجهاً نحو المشاريع السكنية الصغيرة والمتوسطة، حيث تمثل المشاريع التي تقل مساحتها عن ألف متر مربع نحو 68 في المائة من مجموع المشاريع السكنية.

وهو ما يعكس طبيعة الحاجيات الحقيقية للأسر القروية التي تبحث أساساً عن السكن اللائق أكثر من المشاريع العقارية الكبرى.

كما يبرز الجانب الاقتصادي لهذه التحولات من خلال الارتفاع الكبير في حجم الاستثمارات المرتبطة بالمشاريع المرخصة، والتي انتقلت من 10 مليارات درهم إلى 110 مليارات درهم. وبينما تعتبر الوزارة هذا التطور دليلاً على نجاح الإجراءات الجديدة في تحريك عجلة الاستثمار بالعالم القروي، يرى متابعون أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في حجم الأموال المستثمرة، بل في مدى انعكاسها على تحسين ظروف العيش وتوفير التجهيزات والخدمات الأساسية للسكان.

وفي المقابل، فإن بلوغ نسبة تغطية الجماعات القروية بوثائق التعمير 84 في المائة يمثل تقدماً مهماً مقارنة بسنوات سابقة عانت فيها العديد من المناطق من غياب التأطير العمراني، غير أن نسبة 16 في المائة المتبقية تظل مؤشراً على استمرار الحاجة إلى استكمال التغطية الشاملة وضمان العدالة المجالية بين مختلف الأقاليم.

وتراهن الحكومة على مشروع القانون المتعلق بإحداث الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان من أجل الانتقال من مرحلة تبسيط المساطر إلى مرحلة حكامة أكثر فعالية، عبر توحيد التدخلات وتسريع دراسة الملفات من خلال الشباك الوحيد. غير أن نجاح هذا الورش سيظل رهيناً بقدرته على تقليص آجال المعالجة ومحاربة التعقيدات الإدارية المتبقية، حتى لا تتحول الإصلاحات القانونية إلى أرقام إيجابية على الورق فقط.

وبين الأرقام التي تعكس تقدماً ملموساً والطموحات المرتبطة بتنمية المجال القروي، يبدو أن المغرب نجح في كسر جزء مهم من الحواجز التي كانت تعرقل البناء القروي، لكن الرهان الأكبر يظل في تحويل هذا الزخم الإداري والاستثماري إلى تنمية عمرانية متوازنة تضمن للسكان حقهم في السكن والخدمات والبنيات التحتية، بعيداً عن الفوارق التي ما تزال تفصل بين القرية والمدينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى