مشروع مالية 2026.. بين طموح الإقلاع الاقتصادي ومخاطر التعثر الاجتماعي

الرباط: الخبير الاقتصادي المهدي الجرباوي

يقدم مشروع قانون المالية لسنة 2026، وفق المذكرة التوجيهية الصادرة عن رئاسة الحكومة، صورة متفائلة لمسار المغرب في السنوات المقبلة، مستنداً إلى أربع أولويات كبرى: تعزيز الإقلاع الاقتصادي، الموازنة بين التنمية والعدالة الاجتماعية والمجالية، توطيد الدولة الاجتماعية، وتسريع الإصلاحات الهيكلية. غير أن القراءة التحليلية لهذا المخطط تكشف أن التحدي الأكبر يكمن في ترجمة هذه الطموحات إلى إجراءات ملموسة، وسط سياق اقتصادي عالمي متقلب وضغوط مالية داخلية متزايدة.

إقلاع اقتصادي أم إعادة تدوير للخطاب التنموي؟

تتحدث المذكرة عن “دينامية استثمارية قوية” و”صعود صناعي” يعزز تموقع المغرب في سلاسل القيمة العالمية. لكن التجارب السابقة تظهر أن جاذبية الاستثمار لا تتحقق بالخطط وحدها، بل ببيئة أعمال أكثر مرونة وإدارة عمومية فعّالة ومحاربة فعلية للبيروقراطية. ورغم الإشارات إلى تبسيط المساطر ورقمنة الخدمات، فإن بطء وتيرة الإصلاح الإداري يظل عقبة قائمة.

العدالة الاجتماعية والمجالية.. من الشعارات إلى الميدان

يضع المشروع تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية في قلب أولوياته، عبر التشغيل والخدمات الاجتماعية وتدبير الموارد المائية. لكن السؤال يبقى: هل ستترجم هذه الأهداف إلى برامج ميدانية مستدامة، أم ستظل رهينة المبادرات الظرفية؟ فالتجارب التنموية السابقة في بعض الجهات أظهرت أن ضعف المتابعة والتقييم يجعل أثرها محدوداً.

التوازن المالي.. سيف ذو حدين
تطمح الحكومة لخفض عجز الميزانية إلى 3% والتحكم في المديونية عند 65,8% من الناتج الداخلي الخام. هذه الأرقام تبدو طموحة، لكن تحقيقها قد يتطلب تقليص النفقات أو زيادة الموارد الضريبية، ما قد يؤثر على القدرة الشرائية ويقيد الإنفاق الاجتماعي، خاصة إذا لم ترافقها إصلاحات حقيقية في إدارة المال العام ومحاربة الهدر.

الإصلاحات الهيكلية.. سباق مع الزمن
ربط المشروع الإصلاحات بمواكبة الدينامية الاقتصادية والاجتماعية، مع التركيز على تحديث المؤسسات وتعزيز القرب من المواطن. لكن التحدي يكمن في أن الإصلاحات الكبرى، خاصة في مجالات الصحة والتعليم والماء، تحتاج لزمن أطول من دورة مالية واحدة، ما يجعل 2026 سنة اختبار حقيقي لمدى جدية الحكومة في تنفيذ وعودها.

مشروع قانون المالية لسنة 2026 يرسم ملامح طموحة لمغرب صاعد، لكنه يواجه امتحاناً مزدوجاً: الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية، وفي الوقت ذاته إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين. الفارق بين النجاح والتعثر سيتحدد بقدرة الحكومة على الانتقال من الخطاب إلى التنفيذ، ومن الأهداف العامة إلى النتائج الملموسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى