نمو صامد في مناخ متقلب: هل تنقذ الدينامية الداخلية الاقتصاد المغربي من رياح الخارج؟

الرباط: نارمان بنمسعود

ترسم المندوبية السامية للتخطيط صورة مزدوجة للاقتصاد الوطني مع نهاية 2025 وبداية 2026، صورة تجمع بين تباطؤ قادم من الخارج وصمود متزايد من الداخل. فرغم السياق الدولي غير المواتي، تؤكد المؤشرات أن الاقتصاد المغربي يتجه نحو الحفاظ على وتيرة نمو متماسكة، مع تسارع طفيف مرتقب ليبلغ 4,2 في المائة خلال الفصل الأول من سنة 2026، مقارنة بـ4 في المائة في نهاية 2025.

ويكشف هذا المسار، عند مقارنته بالنصف الثاني من سنة 2025، عن تطور أكثر اعتدالاً للنشاط الاقتصادي، غير أنه ظل محمياً بدعامات داخلية حدّت من آثار التباطؤ العالمي. فبينما انعكس التراجع الحاد في الطلب الخارجي سلباً على أداء الصناعات التحويلية، حافظ النمو على توازنه بفضل حيوية الخدمات والطلب الداخلي، ما يعكس تحوّلاً تدريجياً في بنية النمو من الاعتماد على الخارج إلى الارتكاز على المحركات المحلية.

وتبرز الخدمات غير القابلة للمتاجرة كأحد أعمدة هذا الصمود، خاصة في ظل الزخم الذي أحدثته الأنشطة المرتبطة بتنظيم كأس الأمم الإفريقية، والتي أعادت تنشيط قطاعات السياحة والنقل والخدمات. وفي المقابل، لعب الطلب الداخلي دور صمام الأمان، مستفيداً من تراجع تكلفة الاقتراض واعتدال الضغوط التضخمية، وهو ما دعم الاستهلاك والاستثمار، وخفف من حدة الصدمة الخارجية التي أصابت الصادرات.

غير أن المقارنة بين نهاية 2025 وبداية 2026 تكشف استمرار الضغوط الخارجية، بل وتعقّدها. فاعتدال الطلب الأوروبي، الذي يشكل سوقاً رئيسية للصادرات الوطنية، يتزامن مع تصاعد التوترات التجارية العالمية، سواء عبر ارتفاع الرسوم الجمركية الأمريكية أو احتدام المنافسة الصينية. ويضاف إلى ذلك ما يمكن وصفه بـ”الصدمة التنظيمية المزدوجة” داخل السوق الأوروبية، من خلال تفعيل آلية تعديل الكربون على الحدود وتشديد القوانين المرتبطة بترحيل الخدمات، خصوصاً في فرنسا. هذه العوامل مجتمعة تنذر بتباطؤ ملموس في نمو الصادرات الوطنية إلى حدود 3,9 في المائة، مقارنة بمتوسط فصلي بلغ 10,4 في المائة خلال السنوات الخمس الماضية، ما يعكس اتساع الفجوة بين الأداء السابق والآفاق القريبة.

في مواجهة هذه الرياح المعاكسة، تراهن المندوبية على روافع داخلية أكثر متانة. فالقطاع الفلاحي مرشح للعودة بقوة، مدعوماً بارتفاع التساقطات المطرية التراكمية بنسبة 57 في المائة خلال بداية الموسم الفلاحي 2025/2026، إلى جانب استمرار الدعم العمومي. وإذا ما استقرت الظروف المناخية خلال فصل الشتاء، فإن ذلك سينعكس إيجاباً على مداخيل الأسر القروية ويعزز الطلب الداخلي، في مقارنة واضحة مع مواسم سابقة عرفت اختلالات مناخية حدّت من مساهمة الفلاحة في النمو.

وبالتوازي، ينتظر أن تواصل نفقات الاستهلاك منحاها التصاعدي لتبلغ 3,9 في المائة خلال الفصل الأول من 2026، بينما يحافظ الاستثمار على وتيرة قوية تناهز 9,8 في المائة، مدفوعاً أساساً بالإنفاق العمومي على البنيات التحتية. هذا الزخم الاستثماري يشكل فارقاً أساسياً مقارنة بفترات سابقة، حيث كان تراجع الاستثمار يعمّق أثر الصدمات الخارجية بدل امتصاصها.

وفي المحصلة، يعكس النمو المرتقب بنسبة 4,2 في المائة بداية 2026 تحسناً طفيفاً لكنه دالّ، تقوده بالأساس الأنشطة الفلاحية والخدماتية التي يُنتظر أن تساهم بنحو 2,9 نقطة في النمو الإجمالي. وفي حين يواصل قطاع البناء تعافيه بوتيرة 3,4 في المائة بعد تباطؤ ظرفي نهاية 2025، تظل الصناعة التحويلية الحلقة الأضعف بنمو معتدل لا يتجاوز 3,1 في المائة، تحت وطأة ضعف الطلب الخارجي.

هكذا يبدو الاقتصاد الوطني في وضعية توازن دقيق بين مخاطر خارجية متصاعدة وفرص داخلية واعدة. فإذا كان تشديد القيود التنظيمية الأوروبية وتباطؤ الصناعة العالمية يفرضان تحديات حقيقية على الصادرات والعجز التجاري، فإن تحسن الظروف المناخية واستمرار الاستثمار العمومي يمنحان الطلب الداخلي هامشاً إضافياً لدعم النمو. ويبقى الرهان الأساسي هو مدى قدرة هذا التوازن الهش على الاستمرار، وتحويل الصمود الظرفي إلى مسار نمو أكثر استقلالية وأقل ارتهاناً لتقلبات الخارج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى