الطماطم تقلب موازين أوروبا: كيف أطاح المغرب بإسبانيا من السوق البريطانية؟

الرباط: ريم بنكرة

في تحول لافت خلال العقدين الأخيرين، نجح المغرب في اقتحام السوق البريطانية للطماطم بقوة غير مسبوقة، ليفرض نفسه اليوم أحد أبرز الموردين، في وقت شهدت فيه الصادرات الإسبانية، التي طالما هيمنت على هذا السوق، تراجعاً حاداً هز مكانتها التاريخية وأعاد رسم خريطة التنافس الزراعي في أوروبا.

فبين عامي 2005 و2024، قفزت صادرات المغرب من الطماطم نحو المملكة المتحدة بشكل استثنائي، مسجلة نمواً بلغ 98 ضعفاً، لتصل إلى 134,776 طناً، وفق تحليل نشره موقع “هورتونفو” المتخصص بتاريخ 28 يناير 2026. هذا الصعود السريع لم يكن مجرد زيادة رقمية، بل عكس تحولاً استراتيجياً في تموقع المغرب داخل سلاسل التوريد الأوروبية.

في المقابل، عرفت الصادرات الإسبانية مساراً عكسياً مقلقاً، إذ تراجعت من 182,680 طناً سنة 2005 إلى 69,695 طناً فقط في 2024، أي بانخفاض يناهز 62 في المائة، ما أفقد مدريد نفوذها التقليدي ودفعها إلى التراجع خلف المغرب وهولندا في ترتيب كبار الممونين للسوق البريطانية.
وتكشف معطيات “هورتونفو”، المبنية على بيانات الأمم المتحدة وقاعدة “كومتريد” وإحصاءات “إيستاكوم” الإسبانية، عن تحول عميق في بنية الإمداد. ففي منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، كانت صادرات المغرب شبه هامشية ولم تتجاوز 1,400 طن عام 2005، قبل أن تنطلق في مسار تصاعدي حاسم بلغ ذروته سنة 2021 عند 110,800 طن، متجاوزة إسبانيا لأول مرة ومؤكدة دخول المغرب نادي الموردين الكبار.

ولم يتوقف الزخم عند هذا الحد، إذ واصل المغرب تعزيز حضوره سنة 2022 بصادرات ناهزت 144,300 طن، متفوقاً حتى على هولندا، رغم أن هذه الأخيرة استعادت الصدارة في عامي 2023 و2024. ومع ذلك، بات واضحاً أن المغرب أصبح رقماً صعباً في المعادلة، حيث تضاهي صادراته كميات كبار المنتجين الأوروبيين وتؤثر مباشرة في توازن العرض داخل السوق البريطانية.

في الجهة المقابلة، تكشف الأرقام عن تراجع حاد في مناطق الإنتاج الإسبانية التقليدية. فقد انهارت صادرات جزر الكناري من أكثر من 73 ألف طن عام 2005 إلى أقل من 40 طناً فقط في 2024، فيما عرفت منطقة ألميريا مساراً تنازلياً بطيئاً، من 34,170 طناً إلى 33,090 طناً خلال الفترة نفسها. وإلى حدود 2017، كانت ألميريا لا تزال تتفوق على المغرب، غير أن الكفة مالت بشكل نهائي بعد ذلك، لتتسع الفجوة ويترسخ تفوق المغرب كفاعل مهيمن.

هذا التحول لا يعكس فقط نجاح المغرب في اقتحام أسواق جديدة، بل يؤشر على قدرة استراتيجية على إعادة التموضع داخل سلاسل القيمة الزراعية الأوروبية. كما أنه يعيد رسم ديناميكيات التنافس داخل قطاع الطماطم، حيث بات للمغرب تأثير ملموس على الأسعار والتوافر في السوق البريطانية، مع ترسيخ مكانته كلاعب استراتيجي طويل الأمد، في وقت تجد فيه إسبانيا نفسها مطالبة بإعادة النظر في نموذجها التصديري قبل أن يتعمق فقدانها للريادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى