
“الانضباط الحكومي” أم حسابات ما بعد أخنوش؟ رسائل المنصوري المشفّرة نحو الاستقلال
الرباط: إدريس بنمسعود
لم تمرّ تصريحات فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، مرور الكرام داخل كواليس الأغلبية الحكومية، ليس فقط بسبب مضمونها، بل أساساً بسبب توقيتها وحمولتها السياسية المبطنة. فالحديث عن “عدم البحث عن الشعبية السهلة” وضرورة الانسجام بين الخطاب والممارسة داخل الحكومة، بدا وكأنه يتجاوز منطق التذكير بالمسؤولية الجماعية، ليصل إلى مستوى توجيه نقد سياسي محسوب إلى أحد مكونات التحالف، وتحديداً حزب الاستقلال.
اللافت في هذا الخطاب أنه استند إلى مفاهيم مثل “الوفاء” و“الانضباط الحكومي”، وهي مفاهيم تُستعمل عادة لتأطير الاختلاف داخل الأغلبية، لكنها في هذه الحالة بدت أقرب إلى أداة ضغط سياسي، في ظل تنامي حضور حزب الاستقلال داخل النقاش العمومي، ونجاح أمينه العام في فرض مواقف نقدية من داخل الحكومة دون أن يغادرها. وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل ما عبّرت عنه المنصوري دفاع صادق عن أخلاقيات العمل الحكومي، أم رد فعل سياسي على تحولات موازين القوة داخل التحالف؟
القراءة المقارنة لمسار المنصوري نفسها تجعل هذا السؤال أكثر إلحاحاً. فقبل سنوات قليلة فقط، كانت من بين الأصوات التي لم تُخفِ انتقاداتها لأداء عزيز أخنوش وطريقة تدبيره للشأن الحكومي، سواء من موقع حزبي أو من موقع مسؤولية ترابية. حينها، لم يكن “الانضباط الحكومي” حاضراً بنفس الحدة في خطابها، ما يوحي بأن المفهوم يُستدعى اليوم وفق منطق انتقائي تحكمه الظرفية السياسية أكثر مما تحكمه مبادئ ثابتة.
في المقابل، لا يمكن فصل هذا الهجوم غير المباشر عن النقاش المتنامي حول ملامح الحكومة المقبلة. فخروج عدد من المحللين والسياسيين بقراءات ترجّح عودة رئاسة الحكومة إلى حزب الاستقلال، باعتباره الحزب الأكثر هيكلة وتنظيماً داخل الأغلبية، يبدو أنه أثار قلقاً واضحاً لدى شريكيه، التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة.
هذا الأخير، الذي لم ينجح إلى اليوم في إفراز قيادة حزبية مستقرة أو تقديم رئيس حزب واضح المعالم، يجد نفسه في موقع دفاعي: كيف لحزب لم يحسم بعد في قيادته أن يقنع الرأي العام بقدرته على قيادة حكومة؟
من هذا المنظور، يمكن قراءة خطاب المنصوري كرسالة مزدوجة: الأولى موجهة لحزب الاستقلال من أجل كبح تمدده السياسي داخل الأغلبية، والثانية موجهة للناخبين مفادها أن “البام” حاضر وجاهز لتحمل المسؤولية، حتى وإن كانت المعطيات التنظيمية والسياسية لا تسعفه كثيراً في هذا الادعاء. غير أن هذه الرسالة تصطدم بواقع مفاده أن الخطاب وحده لا يكفي لتعويض ضعف الهيكلة أو غموض القيادة.
في المحصلة، يبدو أن ما سُوّق على أنه دفاع عن الانضباط الحكومي ليس سوى تعبير عن صراع مواقع مبكر داخل الأغلبية، صراع يزداد حدّة كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية. وبين وفاء سياسي يُرفع كشعار، وانتقادات مبطنة تُستعمل كسلاح، تظل الأغلبية الحكومية أمام اختبار حقيقي: هل ستنجح في تدبير اختلافاتها بمنطق المسؤولية، أم أن حسابات ما بعد رئاسة الحكومة بدأت تُفككها من الداخل؟





