
حالة طوارئ مائية: القصر الكبير في مواجهة الفيضان والسياسات الغارقة
الرباط: إستثمار
تواجه مدينة القصر الكبير حاليًا اختبارًا وجوديًا، لا يعكس فقط قسوة الطبيعة، بل يكشف أيضًا عن هشاشة البنية التحتية وتحديات إدارة المخاطر في مواجهة الكوارث المناخية المتسارعة. المشهد لا يقتصر على مجرد فيضانات عابرة، بل هو حالة مركبة من فشل استباقي وتدخل محدود، حوّل الأحياء السكنية إلى بحيرات متصاعدة، ودفع المدينة إلى حافة الانهيار.
أولاً: الإدارة التفاعلية بدلاً من الاستباقية:
رغم التحذيرات المسبقة عن امتلاء سد وادي المخازن وتجاوز طاقته الاستيعابية 100٪، يبدو أن خطط الطوارئ كانت غائبة أو غير فعّالة. تصريحات رئيس المجلس الجماعي، محمد السيمو، التي اتسمت بالترجي (“نترجى الفرج من الله”) أكثر من الحلول الملموسة، تعكس عقلية رد الفعل بدلاً من المبادرة. الإخلاء المتأخر للمستشفى المحلي ووصف الوضع بـ “جد صعب” فقط بعد وصول المياه إلى متر في المنازل، يشير إلى فجوة خطيرة بين التخطيط والتنفيذ.
ثانيًا: البنية التحتية الهشة وتضارب العوامل:
المشكلة تفاقمت بسبب تضافر عوامل طبيعية وبشرية: زيادة تصريف السد، هيجان البحر، وعدم قدرة قنوات الصرف الصحي على استيعاب التدفقات. هذا يكشف عن خلل في تصميم الشبكات الحضرية القادرة على مواجهة الظروف الاستثنائية. بل إن غمر المياه للطرق وعزل القرى المجاورة يبرز ضعف التنسيق بين المناطق الحضرية والريفية في إدارة الأزمات.
ثالثاً: الخطاب الرسمي بين التبرير والاستسلام:
على الرغم من الإشارة إلى خطط لإيواء المتضررين وتوزيع المساعدات، يظل خطاب المسؤولين مشحونًا بلهجة الاستسلام للواقع (“الماء يتحدى الجميع”). وصف المدينة القديمة بـ “قنبلة موقوتة” دون تفصيل إستراتيجيات ملموسة للتخفيف من خطرها، يثير تساؤلات حول جاهزية الحلول المطروحة، خاصة مع ترجيح استمرار ارتفاع منسوب المياه.
رابعاً: العزلة الجغرافية والاجتماعية:
عزل القرى المجاورة مثل قصر بجير وأولاد اوشيح يضاعف من حجم الكارثة، ويظهر أن التداعيات تتعدى المركز الحضري لتشكل أزمة إقليمية شاملة. هذا يستدعي نظم إنذار مبكر وتوزيعًا أكثر عدالة للموارد والجهود الإنقاذية.
فيضانات القصر الكبير ليست مجرد حالة طوارئ مناخية، بل هي مرآة تعكس إخفاقات تراكمية في التخطيط العمراني وإدارة المياه واستعداد المؤسسات للكوارث. الخروج من هذه الأزمة يتطلب أكثر من إجلاء مؤقت وتوزيع مساعدات؛ فهو يستلزم مراجعة جذرية لسياسات إدارة السدود، وتحديث البنى التحتية، واعتماد إستراتيجيات تشاركية تجعل المجتمع جزءًا من حلول الصمود أمام التحديات المناخية المستقبلية.
الدرس الأهم هنا: الكوارث الطبيعية تتحول إلى كوارث إنسانية عندما تغيب الإرادة الاستباقية وتتقاعس الأنظمة عن حماية مواطنيها قبل أن تعلو الأمواج.





