إحداث 100 ألف مقاولة… وأكثر من 50 ألفًا تُعلن الإفلاس: مفارقة الاقتصاد المغربي في 2025

الرباط: إدريس بنمسعود

أعلن المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية أن عدد المقاولات التي تم إحداثها بالمغرب إلى حدود متم شهر نونبر 2025 بلغ 100 ألف و776 مقاولة، وهو رقم يعكس، ظاهريًا، حيوية ملحوظة في مناخ الأعمال واستمرار الإقبال على المبادرة الحرة رغم السياق الاقتصادي الصعب. غير أن القراءة المتأنية لهذه المعطيات تكشف مفارقة مقلقة بين دينامية الإحداث وهشاشة الاستمرار.

تُظهر الأرقام أن أغلب المقاولات المحدثة تندرج ضمن فئة الأشخاص الاعتباريين بما يفوق 72 ألف مقاولة، مقابل أزيد من 28 ألف مقاولة في إطار الأشخاص الذاتيين، وهو ما يعكس توجّهًا متزايدًا نحو الصيغ القانونية البسيطة، خاصة الشركات ذات المسؤولية المحدودة بشريك واحد، التي تمثل حوالي ثلثي المقاولات المحدثة. هذا الاختيار، وإن كان يوفّر مرونة قانونية، فإنه يعكس في العمق محدودية الإمكانات المالية والبشرية لهذه المشاريع، ويجعلها أكثر عرضة للاهتزاز عند أول أزمة سيولة أو ركود.

قطاعيًا، يواصل قطاع التجارة تصدره للمشهد بنسبة تقارب 36 في المائة، متبوعًا بالبناء والعقار والخدمات، وهي قطاعات تُعرف بسرعة دورانها ولكن أيضًا بضعف هوامش الربح وشدة المنافسة، ما يجعل عددًا كبيرًا من المقاولات فيها قصير العمر.

أما جغرافيًا، فلا تزال جهة الدار البيضاء–سطات تستحوذ على النصيب الأكبر من إحداث المقاولات، في استمرار لتمركز اقتصادي يطرح تساؤلات حول عدالة التوزيع المجالي للاستثمار وفرص النمو.

غير أن الوجه الآخر لهذه الدينامية يكشف اختلالًا بنيويًا خطيرًا. فخلال سنة 2025، تشير التقديرات إلى إفلاس أو توقف ما يقارب 50 إلى 52 ألف مقاولة، أغلبها من فئة المقاولات الصغيرة جدًا والصغرى، وهو رقم يكاد يوازي نصف عدد المقاولات التي تم إحداثها. هذا المعطى الصادم يفضح محدودية السياسات العمومية في مواكبة المقاولة بعد التأسيس، ويؤكد أن تسهيل مساطر الإحداث لا يعني بالضرورة ضمان شروط البقاء والاستمرارية.

إن التناقض الصارخ بين ارتفاع عدد المقاولات المحدثة وارتفاع حالات الإفلاس يعكس أزمة ثقة وهيكلة أكثر مما يعكس نجاحًا اقتصاديًا. فمشاكل الولوج إلى التمويل، وتأخر آجال الأداء، والضغط الضريبي، وغياب المواكبة التقنية الحقيقية، تجعل من ريادة الأعمال في كثير من الأحيان مغامرة محفوفة بالمخاطر، لا رافعة فعلية للتنمية وخلق الثروة.

وعليه، فإن أرقام 2025، رغم بريقها الإحصائي، تطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام اقتصاد يُنتج المقاولات أم يُنتج هشاشتها؟ فالتحدي لم يعد في عدد المشاريع التي ترى النور، بل في عدد تلك التي تنجح في الصمود والنمو، وتحويل المبادرة الفردية إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى