
أمريكا تُحرّك المياه الراكدة: مفاوضات الصحراء بين رمزية المكان وبدء التنزيل الفعلي لقرار مجلس الأمن 9727
بقلم: عبدالعالي بنلياس أستاذ القانون الدستوري والعلوم السايسية
في ظل الغياب التام لأي بلاغات رسمية عن الدول المشاركة في المفاوضات غير المعلنة حول الصحراء المغربية، التي احتضنتها السفارة الأمريكية بالعاصمة الإسبانية مدريد، تفرض أسئلة جوهرية نفسها بإلحاح: لماذا اختيرت مدريد تحديداً لاحتضان هذا اللقاء؟ وما الدلالات السياسية لمخرجاته، رغم الصمت الدبلوماسي المطبق الذي أحاط به؟
اختيار مدريد، حتى وإن كان الاجتماع قد جرى داخل مقر دبلوماسي أمريكي، لا يمكن اعتباره تفصيلاً بروتوكولياً عابراً. فإسبانيا، بصفتها القوة الاستعمارية السابقة، تمتلك مفاتيح تاريخية ووثائق ومعطيات دقيقة حول نشأة هذا النزاع وتطوره قبل المسيرة الخضراء وبعدها. كما أن التحركات التي سبقت الاجتماع، وعلى رأسها استقبال وزير الخارجية الإسباني لنظيريه الجزائري والموريتاني، تعكس استعداد مدريد للعب دور الوسيط المُيسّر لمسار تنزيل قرار مجلس الأمن رقم 9727، الذي يدعو صراحة إلى إطلاق مفاوضات سياسية على أساس مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
ويكتسب هذا المسار دلالته الأوضح من خلال استبعاد ممثل جبهة البوليساريو من هذا اللقاء، في إشارة سياسية مباشرة إلى أن النقاش بات محصوراً بين الدول الفاعلة والمؤثرة في النزاع، وعلى رأسها الجزائر. فهذه الأخيرة، التي طالما حاولت التنصل من صفتها كطرف مباشر، تجد نفسها اليوم معنية أكثر من أي وقت مضى بإعطاء زخم حقيقي للمفاوضات. كما أن الموقف الإسباني منذ سنة 2022، حين أعلنت دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي، يعكس قطيعة واضحة مع مرحلة سابقة أثقلت كاهل دبلوماسيتها وأضرت بمصالحها الاستراتيجية مع المغرب، وضيّقت هامش توازن علاقاتها مع الجزائر.
أما على مستوى المخرجات، فإن مجرد انعقاد اجتماع مدريد بحضور الأطراف الأربعة يشكل تحوّلاً نوعياً في مسار تنفيذ قرارات مجلس الأمن. فالجزائر، التي قاطعت الموائد المستديرة منذ 2019، اضطرت تحت ضغط المجتمع الدولي إلى مراجعة موقفها، والتخلي تدريجياً عن خطاب “عدم الطرفية”، في اعتراف ضمني بمسؤوليتها السياسية والتاريخية في هذا الملف.
وفي المقابل، تبدو جبهة البوليساريو الطرف الأضعف في هذه المعادلة، رغم تصريحات زعيمها إبراهيم غالي التي تحدث فيها عن الاستعداد لإبداء “المرونة” والتعاون مع الجهود الدولية.
فهذه المرونة لا تنبع من قوة تفاوضية بقدر ما تعكس حالة تبعية كاملة للقرار الجزائري، وضغوطاً متزايدة من الولايات المتحدة ومجلس الأمن، إلى جانب التراكم المتواصل للاعترافات الدولية بجدية ومصداقية مبادرة الحكم الذاتي، وآخرها مواقف مؤسسات الاتحاد الأوروبي الداعمة لهذا الخيار.
ويحمل الحضور الأمريكي الرفيع، ممثلاً في مستشار الرئيس الأمريكي ومندوب الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، دلالة سياسية حاسمة. فالدبلوماسية الأمريكية، خصوصاً في عهد دونالد ترامب، لا تميل إلى الغموض ولا إلى الرسائل الرمزية، بل تعتمد خطاباً مباشراً وأهدافاً واضحة: تنفيذ قرار مجلس الأمن، عبر مفاوضات دبلوماسية بين الدول المعنية، على أرضية الحكم الذاتي، وصولاً إلى تسوية نهائية تُنهي هذا النزاع المزمن.
إن انعقاد هذا اللقاء بعيداً عن الأضواء، ومن دون صور جماعية أو تصريحات صحافية، يؤكد أننا أمام مرحلة جديدة من “الدبلوماسية الصامتة”، التي تشتغل بمنطق التدرج وتحديد سقف واضح للمفاوضات. كما أن مستوى التمثيل، المقتصر على وزراء الخارجية، يكشف أن جوهر النقاش كان سياسياً بامتياز، ويتمحور حول كيفية تنزيل مبادرة الحكم الذاتي وربطها بمفهوم تقرير المصير في إطار السيادة المغربية. أما الحديث عن تشكيل لجنة تقنية من الخبراء، فيُفهم منه أن جوهر المبادرة لم يعد محل نقاش، وأن المرحلة المقبلة ستنصرف إلى تفاصيلها العملية وآليات تفعيلها، باعتبارها الإطار الوحيد القابل للحياة في أي حل نهائي لهذا النزاع.





