
دموع السلطة… حين يبكي الكرسي أكثر مما يبكي المواطن
الرباط: إستثمار
لم تكن مدينة الجديدة، يوم السبت الماضي في حاجة إلى نشرات إنذارية أو خرائط تقلبات جوية كي تستعد للعاصفة. فالعاصفة هذه المرة لم تكن مطرية، بل سياسية خالصة، عنوانها البارز “المغادرة القسرية” لعزيز أخنوش من قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار، والتي حولت المؤتمر الوطني الاستثنائي إلى مشهد أقرب إلى مأتم جماعي منه إلى محطة سياسية يفترض أن ترسم ملامح المرحلة المقبلة.
ففي الوقت الذي كان فيه الرأي العام ينتظر من الحزب القائد للحكومة لحظة صدق سياسي، أو على الأقل ملامح تقييم جريء لما تبقى من عمر الولاية الحكومية، اختارت القيادة الحزبية أن تختصر كل ذلك في عرض عاطفي مكثف، طغت عليه لغة النحيب واستدرار التعاطف، وكأن المنصب هو الضحية، لا السياسات، وكأن الخسارة الحقيقية هي خسارة الكراسي لا خيبة انتظارات المغاربة.
لقد بدا المشهد كما لو أن الحزب استورد منخفضا جويا عاطفيا غير مسبوق، أغرق منصة المؤتمر بفيض من الدموع، في صورة سريالية دفعت المتابع إلى التساؤل: هل نحن أمام مؤتمر سياسي يفترض فيه النقاش والتقييم والمحاسبة، أم أمام الحلقة الأخيرة من مسلسل درامي عنوانه الأبرز “دموع الملياردير”؟
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن الخروج المؤثر لرشيد الطالبي العلمي، الذي اختار أن يفتتح دفتر الدموع بمونولوغ طويل، أعاد إلى الذاكرة عبارته الشهيرة التي تحدى فيها المغاربة بـ“الحجر” إن لم تتحقق الوعود. غير أن المغاربة، رغم أن الوعود لم تر النور، ورغم أن 2500 درهم الشهرية ما تزال حبيسة الشعارات الانتخابية، لم يحملوا الحجر، ليس لأن الإنجاز تحقق، بل لأن الصبر كان دوما سمة هذا المجتمع، ولأن الاحتجاج بالعنف لم يكن يوما من طباعه.
لكن ما بدا لافتا هو أن الطالبي العلمي اختار هذه المرة أن يستبق أي مساءلة محتملة بسلاح مختلف: الدموع. فبدل تقديم كشف حساب سياسي، أو تفسير الفجوة بين الخطاب والواقع، فُتح المجال أمام دموع محسوبة، لا تُذرف عادة إلا عندما يصبح الرحيل أمرا واقعا لا رجعة فيه.
أما المشهد الأكثر كثافة درامية، فكان من نصيب عزيز أخنوش نفسه. رئيس الحزب الذي بدا أن قرار مغادرته، وإن قُدم في صيغة “طوعية”، قد زلزل وجدانه ووجدان محيطه السياسي والاقتصادي. بكاء أخنوش وهو يلقي ما يشبه خطاب الوداع لم يكن مجرد لحظة إنسانية عابرة، بل كان حدثا سياسيا محملا بالدلالات.
فإذا كانت الحصيلة “ناجحة” كما يُروج، والمسار “مشرفا” كما قيل، فما مبرر الدموع؟ في العرف السياسي، لا تُذرف الدموع عند النجاح، بل عند الإخفاق أو عند فقدان السلطة رغما عن الإرادة. أما أن يغادر ملياردير السياسة موقعه وهو يبكي، فهذا يفتح باب الأسئلة على مصراعيه: هل هي دموع ارتياح للخلاص من عبء التدبير الحكومي؟ أم دموع إدراك متأخر بأن إشارات المرحلة المقبلة لا تضعه ضمن حسابات 2026، وأن حلم الولاية الثانية تبخر قبل أن يولد؟
مشهد العناق الجماعي، والمناديل الورقية، والوجوه المبللة بالدموع، بدا منفصلا تماما عن واقع الشارع المغربي، حيث ينشغل المواطن البسيط يوميا بمعركة البقاء وتأمين أساسيات العيش. هنا تتجلى بوضوح الهوة السحيقة بين “رومانسية السلطة” و”قساوة الزنقة”، بين من يبكي على مغادرة الكرسي، ومن لم يعد يجد ما يبكي عليه بعدما جف الأمل.
لقد أكد حزب التجمع الوطني للأحرار، في مؤتمر الجديدة، أنه حزب يجيد التعبير عن مشاعره حين يتعلق الأمر بالسلطة، لكنه يعجز عن تحويل الوعود إلى سياسات ملموسة. أما تلك الوعود، فيبدو أنها لم تصمد أمام سيل الدموع، فسقطت واحدة تلو الأخرى، وغرقت في بركة عاطفية، قد تجف يوما ما، لكن آثارها السياسية ستظل عالقة في ذاكرة المغاربة طويلا.





