رمضان والدجاج.. أزمة موسمية أم فوضى هيكلية في تموين المغاربة؟

الرباط: ريم بنكرة

مرة أخرى، يعود ملف أسعار الدجاج ليطارد البيوت المغربية مع حلول شهر رمضان، وكأنه قدر محتوم لا فكاك منه. فبينما يبحث المواطن محدود الدخل عن ملاذ آمن بعيداً عن لهيب أسعار اللحوم الحمراء، يفاجأ بأن “بديله” الاستراتيجي يشارك هو الآخر في رقصة الأسعار الصاعدة، محولاً مائدته الرمضانية إلى معادلة اقتصادية قاسية. ورغم التفسيرات الجاهزة التي تقدمها الفيدراليات المهنية، يظل السؤال الأعمق مطروحاً: هل هذه التقلبات مجرد عوارض ظرفية، أم أنها أعراض مرض مزمن في هيكلة قطاع الدواجن بالمغرب؟

تصريحات محمد أعبود، رئيس الجمعية الوطنية لمربي دجاج اللحم، تحمل في طياتها تناقضاً لافتاً يستحق التوقف عنده. فالرجل يؤكد أن الأسعار بدأت في التراجع بفعل ضعف الطلب وتحسن العرض، لكنه في الوقت نفسه يعزو الاضطراب السابق إلى تأخر تزويد الضيعات الصغيرة بالكتاكيت وتأثر الإنتاج بالظروف الجوية. المنطق الاقتصادي البسيط يقول إن أي قطاع يُعاني من هشاشة التموين بهذا الشكل كلما اقترب شهر الصيام، فإن المشكلة تتجاوز تقلبات الطقس أو “تأخر التسليم” لتصطدم ببنية قطاعية رهينة بقرارات “المفاقس”، تلك الوحدات التي تتحكم بمفردها في ضخ الكتاكيت إلى السوق وكأنها تدير صنبوراً يمكن فتحه وإغلاقه حسب مزاجيتها الاستثمارية.

اللافت في تحليل المعطيات أن الجمعية نفسها تشير إلى “وفرة في العرض” حالياً، بارتفاع أعداد الكتاكيت بفضل استيراد إناث الدجاج، وهو ما يعني نظرياً أن الأسعار يجب أن تعود إلى مستويات مقبولة قبل نهاية الشهر الفضيل. لكن الواقع المرير الذي يعيشه المستهلك المغربي يعكس غالباً فجوة بين المؤشرات التقنية للحقلة وبين الأسعار النهائية التي تثقل كاهله عند نقطة البيع. فمسألة الربط بين الاستيراد المكثف لإناث الدجاج وبين انخفاض الأسعار ليست آلية مباشرة كما يُصوَّر، إذ تتدخل هنا حلقات التوزيع والوسطاء لتحريف هذه العلاقة الطبيعية، ناهيك عن غياب أي آلية رقابية فعالة تضمن وصول ثمار هذه “الوفرة” إلى جيب المستهلك.

أما سيناريو ما بعد العيد الذي يرسمه أعبود، بارتفاع طفيف متوقع مع عودة نشاط المطاعم، فهو يحمل قراءة معكوسة للمنطق الاقتصادي السائد عالمياً. فالمعتاد أن تنخفض الأسعار بعد انقضاء مواسم الذروة، لكن السوق المغربية تبدو فريدة في تفاعلاتها، حيث تتحول فترة ما بعد رمضان إلى موجة ارتفاع جديدة بسبب “عودة المطاعم”، وكأن هذه المطاعم لم تكن تغلق أبوابها خلال الشهر الفضيل، بل وكأن المستهلك العادي مطالب بدعم انتعاشة القطاع مرتين: مرة بالامتناع عن الشراء في رمضان لضعف قدرته الشرائية، ومرة أخرى بدفع ثمن أعلى بعد العيد لتعويض أرباح المهنيين.

الخلل إذن لا يكمن فقط في ارتفاع الأسعار أو انخفاضها، بل في بنية سوق يظل توازنها – كما يعترف أعبود نفسه -رهين “آليات العرض والطلب” و”حسن تنظيم سلسلة الإنتاج”. وهي اعتراف ضمني بغياب دور فاعل للدولة في ضبط هذه الآليات، وترك القطاع لحلقاته الخاصة التي تتصارع فيها مصالح المفاقس ومربي الضيعات الصغار ومضارب التوزيع، ليخرج المستهلك في النهاية ضحية هذه الفوضى المنظمة. فالدجاج الذي يفترض أن يكون “لحم الفقراء” يتحول مع كل مناسبة دينية إلى سلعة كمالية تحتاج إلى حسابات دقيقة قبل اقتنائها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى