
نصف المجتمع خارج معادلة الاقتصاد… لماذا ما زالت المرأة المغربية بعيدة عن سوق الشغل؟
الرباط: ريم بنكرة
رغم التحولات الاقتصادية والاجتماعية
التي شهدها المغرب خلال السنوات الأخيرة، لا تزال مشاركة النساء في سوق الشغل واحدة من أكثر القضايا التي تكشف عن مفارقة واضحة بين الخطاب التنموي والواقع الميداني.
فبينما تتحدث السياسات العمومية عن تمكين اقتصادي للمرأة ورفع مساهمتها في الإنتاج الوطني، تكشف الأرقام الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط بمناسبة اليوم العالمي للمرأة عن فجوة كبيرة بين الطموحات المعلنة والنتائج المحققة.
فالمغرب، الذي حقق تقدماً ملحوظاً في قطاعات متعددة، ما يزال يسجل معدلات ضعيفة في مشاركة النساء اقتصادياً مقارنة بالعديد من الدول الصاعدة وحتى ببعض الدول النامية. إذ لا يتجاوز معدل النشاط الاقتصادي للنساء 19 في المائة خلال سنة 2025، وهو رقم يظل بعيداً بشكل واضح عن الأهداف التي رسمها النموذج التنموي الجديد، والذي يطمح إلى رفع هذه النسبة إلى 45 في المائة بحلول سنة 2035، كما أنه أقل من الهدف المرحلي الذي حدده البرنامج الحكومي والمتمثل في بلوغ 30 في المائة في أفق 2026. هذه الفجوة الرقمية تعكس في العمق تعقيدات بنيوية مرتبطة بالبنية الاقتصادية والاجتماعية وسوق العمل في المغرب.
ولا يقتصر التحدي على ضعف مشاركة النساء في سوق العمل فحسب، بل يمتد أيضاً إلى محدودية حضورهن في مجال ريادة الأعمال. فحسب التقرير نفسه، لا تتجاوز نسبة المقاولات التي تديرها النساء 10,1 في المائة على الصعيد الوطني خلال سنة 2024، وهي نسبة تعكس استمرار هيمنة المقاولة الذكورية على النسيج الاقتصادي. وعند تفكيك هذه المعطيات قطاعياً، يتضح أن حضور النساء يظل نسبياً في قطاع الخدمات بنسبة 14,6 في المائة وفي الصناعة بنسبة 13,4 في المائة، بينما يتراجع بشكل ملحوظ في التجارة إلى 7,2 في المائة، ويكاد يغيب تماماً في قطاع البناء والأشغال العمومية حيث لا تتجاوز النسبة 0,8 في المائة، وهو ما يعكس استمرار التقسيم التقليدي للأدوار الاقتصادية بين الجنسين.
وإذا ما قورنت هذه الأرقام بطبيعة المقاولات التي تديرها النساء، تتضح صورة أكثر دلالة على محدودية هذا الحضور الاقتصادي. فحوالي 91 في المائة من المقاولات النسائية تندرج ضمن فئة المقاولات الصغيرة جداً التي لا تشغل أكثر من أربعة أشخاص، وهو ما يعني أن جزءاً كبيراً من ريادة الأعمال النسائية يظل محصوراً في مشاريع محدودة الموارد والاستثمارات، غالباً ما تكون مرتبطة بالاقتصاد الصغير أو الأنشطة ذات القيمة المضافة الضعيفة.
ومن زاوية أخرى، تكشف المعطيات المتعلقة بالتعليم عن مفارقة مهمة تؤكد أن التعليم يظل أحد أهم المفاتيح لتعزيز اندماج النساء في الاقتصاد. فالنساء الحاصلات على شهادات عليا يسجلن معدل نشاط اقتصادي يصل إلى 45,4 في المائة، أي أكثر من ثلاثة أضعاف معدل النساء ذوات المستوى التعليمي المتوسط أو غير الحاصلات على شهادات، وهو مؤشر واضح على أن الاستثمار في تعليم الفتيات يمكن أن يكون رافعة حقيقية لرفع نسبة المشاركة الاقتصادية النسائية.
غير أن هذه المؤشرات الإيجابية المرتبطة بالتعليم لا تخفي استمرار الصعوبات المرتبطة بولوج النساء إلى سوق العمل واستقرارهن المهني. فمعدل تشغيل النساء لا يتجاوز 15,1 في المائة، في حين تبلغ البطالة النسائية 20,5 في المائة على المستوى الوطني، وهو ما يعكس اختلالاً واضحاً في بنية سوق الشغل، حيث تواجه النساء عراقيل أكبر في الاندماج الاقتصادي مقارنة بالرجال.
وتزداد الصورة تعقيداً عند النظر إلى الفوارق المجالية، حيث تسجل بعض الجهات مستويات متدنية للغاية من النشاط الاقتصادي النسائي، كما هو الحال في جهة بني ملال–خنيفرة التي لا يتجاوز فيها المعدل 12,8 في المائة، وهو ما يكشف أن التفاوتات الجغرافية لا تزال تلعب دوراً مهماً في تحديد فرص النساء في العمل والمشاركة الاقتصادية.
هذه المؤشرات مجتمعة تعكس أن قضية التشغيل النسائي في المغرب لا ترتبط فقط بفرص العمل، بل تتقاطع مع عوامل ثقافية واجتماعية واقتصادية، من بينها طبيعة سوق الشغل، وضعف آليات الدعم المقاولاتي، وصعوبة التوفيق بين الحياة المهنية والأسرية، إضافة إلى استمرار بعض الصور النمطية المرتبطة بأدوار النساء في المجتمع. لذلك فإن رفع معدل النشاط الاقتصادي النسائي لا يمكن أن يتحقق فقط عبر الخطابات أو البرامج المرحلية، بل يتطلب إصلاحات أعمق تشمل السياسات الاقتصادية، وأنظمة الحماية الاجتماعية، وآليات دعم المقاولة النسائية.
وفي ظل الرهان الذي يضعه المغرب على تسريع نموه الاقتصادي خلال العقد المقبل، تبدو مسألة إدماج النساء في سوق الشغل أكثر من مجرد قضية مساواة اجتماعية؛ إنها في جوهرها قضية تنموية بامتياز. فاقتصاد يترك نصف طاقته البشرية على هامش الإنتاج سيظل دائماً يعمل بنصف قدرته، وهو ما يجعل تمكين النساء اقتصادياً ليس خياراً اجتماعياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية لمستقبل التنمية في البلاد.





