إغلاق هرمز يحدث أعنف صدمة نفطية في التاريخ.. واحتياطيات الطوارئ “ضمادة” لا تكفي

الرباط: إستثمار الدولية

في تطور غير مسبوق يعيد تشكيل خريطة الطاقة العالمية، أعلنت وكالة الطاقة الدولية أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تسببت في “أكبر اضطراب لإمدادات النفط في تاريخ السوق العالمي”، في أزمة توصف بأنها الأعنف منذ حظر النفط العربي في السبعينيات. فبعد مرور أسبوعين فقط على اندلاع العمليات العسكرية في 28 فبراير، تحول مضيق هرمز—الشريان الذي ينقل عادة خمس الإمدادات العالمية—من معبر حيوي إلى بحيرة مغلقة، حيث انهارت التدفقات من نحو 20 مليون برميل يومياً إلى مجرد “قطرات” لا تتجاوز 10% من المستويات الطبيعية، مما أحدث فراغاً هائلاً يعادل 8 ملايين برميل يومياً من الخام ومنتجات مكررة إضافية .

وفي مشهد يفضح محدودية الحلول المتاحة، سارعت الدول الأعضاء في الوكالة (32 دولة) إلى الموافقة بالإجماع على سحب 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية—الأكبر في تاريخ المؤسسة—في محاولة يائسة لامتصاص الصدمة وتهدئة الأسواق المضطربة . لكن هذا الرقم القياسي، الذي يضاعف حجم أي تدخل سابق، يبدو وكأنه “قطرة في محيط” أمام حجم الكارثة؛ ففي 11 يوماً فقط من الأزمة، تجاوز العجز التراكمي 220 مليون برميل، فيما تواصل ناقلات النفط رفع أعلامها البيضاء وتتكدس على جانبي المضيق المسدود، بينما تضطر دول الخليج المنتجة لخفض إنتاجها بما لا يقل عن 10 ملايين برميل يومياً بسبب امتلاء خزاناتها عن آخرها .

ما يجعل هذه الأزمة فريدة هو العجز المزدوج: فبينما تخسر السوق قرابة 11-12 مليون برميل يومياً من الإمدادات الفعلية (خام ومنتجات)، لا يستطيع الإفراج عن الاحتياطيات—حتى لو تدفق بأقصى سرعة—توفير أكثر من 1.2 إلى 1.75 مليون برميل يومياً، أي أقل من 15% من حجم الخسائر . والأكثر إيلاماً أن هذه الاحتياطيات، المخزنة غالباً في كهوف ملحية على سواحل أمريكية أو أوروبية، تحتاج أسابيع مضاعفة للوصول إلى المصافي الآسيوية التي تئن تحت وطأة النقص، مما يجعل التدخل غير متوازن جغرافياً وزمنياً . وفي خضم هذا الفراغ، قفزت الأسعار لتلامس 120 دولاراً قبل أن تستقر فوق حاجز 100 دولار، رغم التحذيرات من أن كل يوم إضافي من إغلاق هرمز يعني تفاقماً كارثياً، إذ أن استئناف التشغيل حتى بعد انتهاء الحرب سيتطلب أسابيع لتصفيف الناقلات العالقة وأشهراً لإعادة تشغيل الحقول المعقدة .

لا يقتصر الدمار على الأرقام المجردة، بل يمتد إلى نسيج الاقتصاد العالمي؛ فإلغاء آلاف الرحلات الجوية في الشرق الأوسط وانهيار إمدادات غاز البترول المسال سيخفضان الطلب العالمي بمليون برميل يومياً خلال مارس وأبريل، في انعكاس متناقض لأزمة تدمج بين نقص المعروض وتآكل الطلب . ومع تحذيرات منظمات دولية من أن استمرار استهداف البنية التحتية للطاقة قد يرقى إلى “جرائم حرب” بسبب تداعياته الإنسانية الكارثية—من أمطار سامة إلى حرائق غير قابلة للسيطرة—يبدو العالم أمام معادلة قاسية: إما العودة السريعة لتدفق النفط، أو الانزلاق إلى ركود تضخمي طويل الأمد تستنزف فيه الاحتياطيات الاستراتيجية بلا أمل حقيقي في التعافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى