
دعم النقل في المغرب بين منطق الإنقاذ وظلّ الحلول المؤجلة
الرباط: ادريس بنمسعود
في سياق دولي متقلب تُحركه صدمات أسعار الطاقة، تعود الحكومة إلى تفعيل آلية الدعم الاستثنائي لقطاع النقل، وكأنها تستعيد وصفة مجرّبة منذ أزمة 2022، لكن في ظرف اقتصادي أكثر تعقيدًا وتشابكًا. القرار، في ظاهره، يحمل بعدًا اجتماعيا واقتصاديا واضحا، يهدف إلى امتصاص الصدمة الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط، غير أن القراءة المقارنة تكشف أنه يعكس أيضًا محدودية الخيارات المتاحة أمام صانع القرار في مواجهة تقلبات خارجية تتجاوز قدراته التحكمية.
فبينما تراهن الحكومة على هذا الدعم لتخفيف الضغط عن مهنيي نقل البضائع والأشخاص، فإن الهدف غير المعلن يظل حماية التوازن الهش للأسعار في السوق الداخلية، خصوصًا في ما يتعلق بالمواد الأساسية. إذ يشكل النقل حلقة مركزية في كلفة الإنتاج والتوزيع، وأي ارتفاع في تكاليفه سرعان ما ينتقل إلى المستهلك، ما يهدد القدرة الشرائية ويغذي موجة تضخمية يصعب احتواؤها.
غير أن المقارنة مع تجربة مارس 2022 تطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى الاستمرار في نفس المقاربة الظرفية. ففي ذلك الوقت، كان الدعم بمثابة تدخل سريع لاحتواء أزمة مفاجئة، أما اليوم، فإن تكرار نفس الأداة يوحي بأن الاختلالات أصبحت بنيوية، وأن الحلول المؤقتة تحولت إلى سياسة شبه دائمة، دون المرور إلى إصلاحات هيكلية تمس منظومة التسعير أو تنويع مصادر الطاقة أو حتى إعادة تنظيم قطاع النقل نفسه.
من زاوية أخرى، يبرز هذا القرار مفارقة لافتة: فالدولة تسعى إلى حماية القدرة الشرائية بشكل غير مباشر عبر دعم المهنيين، بدل توجيه الدعم مباشرة إلى المستهلكين أو الاستثمار في بدائل تقلص التبعية للمحروقات. وهو ما يفتح النقاش حول نجاعة هذا النموذج، خاصة في ظل ارتفاع كلفته على الميزانية العمومية، واحتمال تحوله إلى عبء مالي متكرر في كل موجة ارتفاع جديدة.
كما أن الحفاظ على استمرارية سلاسل الإمداد، رغم أهميته الاستراتيجية، يظل رهينًا بعوامل أعمق من مجرد دعم ظرفي، مثل كفاءة البنية اللوجستية، ومستوى المنافسة داخل القطاع، وقدرته على امتصاص الصدمات دون تدخل دائم من الدولة. وهنا تبرز الحاجة إلى رؤية طويلة المدى تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والسوق، بدل الاكتفاء بردود فعل ظرفية.
في المحصلة، يبدو أن دعم النقل اليوم هو إجراء ضروري لتفادي اختلالات فورية، لكنه في الوقت نفسه يعكس تأجيلًا غير معلن لقرارات أكثر جرأة وإصلاحات أكثر عمقًا. وبين منطق الإنقاذ السريع ومتطلبات التحول الهيكلي، يظل السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام سياسة تدبير الأزمات، أم أمام إعادة إنتاجها بشكل دوري؟





