معادلة الردع المنهارة: حين تعترف إسرائيل بهزيمة دفاعاتها في مواجهة أعنف هجوم إيراني

إستثمار: الصحفي حسن الخباز

في مشهد غير مسبوق منذ عقود، لم يعد المشهد الميداني بحاجة إلى قراءة بين السطور، إذ جاء الاعتراف الإسرائيلي على لسان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نفسه ليكشف عن حجم الخرق الاستراتيجي الذي أحدثته الضربات الصاروخية الإيرانية الأخيرة، معترفاً بأن “إسرائيل تعيش ليلة عصيبة” في لحظات وصفها بالحرجة والمصيرية، في اعتراف يتجاوز حدوده السياسية ليكشف عن هشاشة المنظومة الدفاعية التي طالما روجت لها تل أبيب باعتبارها الأكثر تحصيناً في المنطقة.

وبالمقارنة بين سردية طهران وسردية المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، يتجلى التناقض في قراءة المشهد، فبينما أعلن الحرس الثوري الإيراني عن استخدام صواريخ فتاكة في الموجتين 72 و73، وما تلاهما من قصف متتال، كشفت البيانات الإسرائيلية المتفرقة عن حجم كارثي متدرج، حيث ارتفعت حصيلة المصابين في ديمونة وحدها إلى 51 جريحاً موزعين على 12 موقعاً، في مقابل إعلان رئيس بلديتها عن إجلاء 485 شخصاً، وهو رقم يعكس حجم الدمار الذي طال البنى التحتية والمناطق السكنية بشكل غير مسبوق.

لكن المفارقة الأكثر دلالة تكمن في التباين بين طبيعة الأهداف التي تعرضت للقصف، فبينما ركزت رواية إسرائيل الأولى على الجانب الإنساني، جاء التفصيل الإيراني بإعلان استهداف المبنى المنهار في عراد بصاروخ يزن 450 كيلوغراماً، ليؤكد أن طهران لم تعد تكتفي بالقصف الردعي التقليدي، بل تنتقل إلى خيارات أكثر تدميراً استهدفت بشكل متعمد حياً سكنياً كاملاً في عراد، مخلفة 88 مصاباً بينهم 10 حالات خطيرة، مع تدمير 9 مبان بشكل مباشر، وهو ما يعيد قراءة استراتيجية طهران في معادلة الردع المتجددة.

وتكشف المقارنة بين معطيات المنطقتين المستهدفتين عن بعد استراتيجي إضافي في العمليات الإيرانية، فبينما تتعرض ديمونة التي تضم المنشأة النووية الإسرائيلية في صحراء النقب لقصف متكرر، تأتي عراد لتشكل ضربة معنوية إضافية، خاصة مع اعتراف وسائل إعلام إسرائيلية بأن القصف الأخير يعتبر “الأعنف” منذ بدء الحرب، وهو وصف يعكس تحولاً نوعياً في حجم الخسائر وطبيعتها، وصولاً إلى شل منظومات الدفاع الجوي التي فشلت في التصدي للهجمات المتتالية.

وفي قراءة مقارنة للتوقيت والسياق، يبدو أن طهران اختارت لحظة دقيقة للرد على استهداف منشأة نطنز النووية، وهو ما وصفته دوائر أمنية إسرائيلية بأنه “تصعيد خطير”، لكن الأكثر خطورة من وجهة النظر الإسرائيلية هو ما أظهرته الإجراءات اللاحقة من انعكاسات فورية على الحياة المدنية، حيث اضطرت وزارة التعليم الإسرائيلية إلى إلغاء التعليم الحضوري في جميع المدارس ليومي الأحد والاثنين، مع تشديد قيود الطوارئ في جنوب إسرائيل، وهي إجراءات تكشف عن امتداد آثار الهجمات الإيرانية من الميدان العسكري إلى تعطيل الحياة اليومية في العمق الإسرائيلي.

وبين الاعترافات الإسرائيلية المتفرقة والبيانات الإيرانية الموحدة، يبدو أن المعادلة التي طالما روجت لها تل أبيب حول تفوقها العسكري النوعي قد دخلت مرحلة إعادة اختبار قاسية، خاصة مع تزامن الإعلان عن هذه الخسائر مع تأكيد نتنياهو استمرار العمليات العسكرية على كافة الجبهات، وهو ما يشير إلى أن إسرائيل تواجه معضلة مزدوجة: كيفية معالجة الثغرات الدفاعية التي كشفت عنها الضربات الإيرانية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على صورة الردع التي انهار جزء كبير منها في ساعات قليلة، لتصبح ليلة العصيب التي تحدث عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي أكثر من مجرد وصف لحالة عابرة، بل مؤشراً على مرحلة جديدة في موازين القوى الإقليمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى