تخصيص 4 مليارات دولار لاستضافة المونديال أم لإعادة رسم خريطة السياحة العالمية؟

الرباط: ريم بنكرة

في مشهد يعكس تحولًا استراتيجيًا غير مسبوق في تاريخ المملكة، أقدم المغرب على إطلاق حملة استثمارية سياحية ضخمة تبلغ قيمتها 4 مليارات دولار، تستهدف إضافة 25 ألف غرفة فندقية جديدة، في خطوة تتجاوز بكثير أي مشروع سابق من حيث الحجم والطموح، وتندرج في سياق الاستعدادات المكثفة لاستضافة نهائيات كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال.

لكن ما يثير الانتباه في هذه الدينامية ليس فقط الرقم الضخم، بل النموذج التمويلي الذي كشف عنه عماد براكاد، الرئيس التنفيذي للشركة المغربية للهندسة السياحية، حيث تشير المعطيات إلى هيمنة واضحة للاستثمارات الوطنية التي تساهم بنسبة 75 في المائة من التمويل، في حين تقتصر حصة العلامات التجارية الدولية على 15 في المائة فقط من الوحدات الجديدة، مما يطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الثقة الداخلية والخارجية في “الوجهة المغربية”، وما إذا كان هذا التوزيع يعكس نضجًا في رأس المال الوطني أو تحفظًا نسبيًا من المستثمرين الدوليين رغم الإشادة العلنية بالمقصد.

غير أن القراءة الأكثر دقة لهذا المشروع تتطلب وضعه في سياقه الجيوسياسي والاقتصادي، إذ تؤكد التصريحات الرسمية أن التوترات في منطقة الخليج لم تؤثر بشكل مباشر على القطاع السياحي المغربي بفضل البعد الجغرافي للمملكة، غير أن التداعيات غير المباشرة تبدو أكثر تعقيدًا، حيث سجلت بعض الاضطرابات على مستوى حركة الطيران مع دبي والدوحة، وهما محوران رئيسيان لربط الأسواق الآسيوية والشرق أوسطية، في وقت تمثل فيه الأسواق الأوروبية والأمريكية نحو 85 في المائة من إجمالي الزوار.

وهذا التفاوت في التأثير يكشف عن هشاشة جزئية في بنية الربط الجوي مع الأسواق البعيدة، وهو ما قد يستدعي إعادة النظر في استراتيجية التنويع الجغرافي للأسواق المصدرة للسياح، خاصة مع تطلع المغرب إلى رفع قدراته الاستيعابية بهذا الحجم.

على صعيد آخر، يواجه المغرب، بصفته دولة مستوردة للطاقة، تحديات هيكلية مرتبطة بارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا، غير أن المفارقة اللافتة تكمن في أن قطاع السياحة نفسه، إلى جانب صادرات الأسمدة، شكلا “درعًا اقتصاديًا” خفف من وطأة هذه الزيادات، وهو ما يعكس تحولًا في بنية الاقتصاد الوطني نحو قطاعات أكثر قدرة على توليد العملة الصعبة رغم تقلبات المدخلات الطاقية.

فالمملكة استقبلت حوالي 20 مليون سائح خلال سنة 2025، محققة إيرادات تجاوزت 14.8 مليار دولار، مما عزز صدارتها على مستوى الوجهات الأفريقية، في وقت تتوقع فيه مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي نموًا اقتصاديًا بنسبة 4.4 في المائة، وهو رقم يحيل إلى وجود تناغم نسبي بين الأداء السياحي والدينامية الاقتصادية الكلية.

لكن اللافت في المقاربة المغربية، وفقًا لتصريحات براكاد، هو التحول من استراتيجية الكم إلى استراتيجية الجودة والتأثير، حيث يبدو أن المملكة اختارت التركيز على استقطاب “المستثمرين المناسبين للمشروعات المناسبة”، وهو خيار يحمل في طياته رؤية طويلة الأمد تهدف إلى ضمان تنافسية مستدامة لا تتوقف عند مجرد زيادة عدد الغرف الفندقية، بل تمتد إلى جودة الخدمة والتكامل مع البنية التحتية والثقافية. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الرؤية سيرتبط بقدرة المغرب على تجاوز ثلاث مفارقات رئيسية: الأولى، تحقيق التوازن بين هيمنة الاستثمارات الوطنية وانفتاحه على العلامات الدولية بشكل يعزز التكامل لا الاستبدال؛ والثانية، إدارة تأثير النزاعات الإقليمية على تكاليف البناء والتشغيل دون المساس بجودة المشاريع؛ والثالثة، تحويل الزخم المرتبط باستضافة كأس العالم 2030 إلى إرث سياحي دائم يتجاوز الحدث نفسه.

في المحصلة، تقدم هذه الحملة الاستثمارية نموذجًا مثيرًا للتأمل، حيث يتقاطع فيها الطموح الرياضي بالاستراتيجية الاقتصادية، وتتلاقى فيها الثقة الوطنية بالانفتاح الدولي، في ظل تحديات جيوسياسية وطاقية تختبر حقيقة مرونة القطاع. وبينما تبقى الأرقام الكبرى مثيرة للانتباه، فإن الرهان الحقيقي سيكون على قدرة المغرب على تحويل هذه المشاريع إلى تحول نوعي في مكانته السياحية، لا إلى مجرد توسع كمي يظل رهينًا بتقلبات لا يمكن التحكم فيها جميعًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى