
سكن وظيفي أم امتياز دائم؟ أسئلة محرجة في قلب مستشفى إبن سيناء
الرباط: ريم بنكرة
يكشف الجدل الدائر حول لائحة المستفيدين من السكن الوظيفي بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا عن مفارقة لافتة بين منطق الخدمة العمومية وممارسات تثير شكوكا حول تكافؤ الفرص. فالمعطيات الرسمية، التي قدمها المدير رؤوف محسن رداً على مراسلة النقابة التابعة لـالكونفدرالية العامة للشغل، لا تكتفي بعرض الأرقام بقدر ما تفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول معايير الاستفادة واستمراريتها.
وجود 29 مستفيداً من الشقق والفيلات، بينهم مسؤولون سابقون وسائقون وحارس عام، يعكس اتساع دائرة الانتفاع بشكل يتجاوز الوظائف ذات الطابع الاستعجالي أو الضروري المرتبط بطبيعة العمل الاستشفائي.
ورغم تأكيد أن 18 حالة “سليمة”، مقابل شروع في مسطرة الإفراغ في حق أربعة، وإحالة سبعة ملفات على القضاء، فإن هذه الأرقام تبدو أقرب إلى تشخيص إداري منها إلى معالجة جذرية لاختلال محتمل في تدبير مرفق عمومي حساس.
النقاش الذي أثاره الفاعل النقابي بوشعيب شكير يضع الإصبع على جوهر الإشكال: غياب وضوح زمني ومعياري يحكم الاستفادة.
فاستمرار بعض المستفيدين بعد التقاعد أو تغيير المهام يطرح تساؤلاً مشروعاً حول الأساس القانوني لهذا الامتياز، وهل يتعلق الأمر بحاجة مهنية أم بتحول غير معلن نحو ريع إداري؟ كما أن غموض شروط الانتقاء، سواء في الماضي أو في التمديدات الأخيرة، يضعف الثقة في مبدأ تكافؤ الفرص ويغذي الانطباع بوجود تفاوت غير مبرر.
الأكثر حساسية في هذا الملف ليس فقط عدد المستفيدين، بل كيفية تدبير الحالات العالقة. فالتأخر في تفعيل مساطر الإفراغ، وغياب معطيات دقيقة حول السكنيات الشاغرة، ومصير الطلبات الجديدة، كلها عناصر توحي بأن الإشكال يتجاوز حالات فردية ليصل إلى مستوى الحكامة.
وهنا يصبح الحديث عن الشفافية ليس ترفاً خطابياً، بل شرطاً ضرورياً لإعادة الاعتبار لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة داخل المرافق العمومية.
ما يلوح في الأفق هو صراع صامت بين منطقين: منطق إداري تقليدي يميل إلى تدبير الوضع القائم، ومنطق إصلاحي يطالب بإعادة ضبط القواعد وفق معايير واضحة ومعلنة.
وبينهما، يظل السؤال قائماً: هل يمكن تحويل السكن الوظيفي من امتياز مفتوح زمنياً إلى آلية مرتبطة فعلاً بالحاجة المهنية، أم أن الأمر سيبقى رهين توازنات داخلية يصعب تفكيكها؟
في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بسكنيات داخل مؤسسة صحية، بل بصورة أوسع عن كيفية تدبير الموارد العمومية، حيث تتحول التفاصيل الصغيرة إلى مؤشرات على عمق الإصلاح أو محدوديته.





