من مصالحة الظرف إلى شراكة المستقبل: اختبار الثقة بين المغرب وفرنسا على أعتاب تحول استراتيجي

الرباط: نارمان بنمسعود

تتجه العلاقات المغربية-الفرنسية نحو لحظة مفصلية تحمل في طياتها رهانات سياسية واستراتيجية تتجاوز مجرد استئناف الزيارات الرسمية، مع التحضير لزيارة دولة مرتقبة للملك محمد السادس إلى فرنسا، في خطوة تعكس إرادة مشتركة لإعادة بناء الثقة بعد سنوات من الفتور الذي طبع مسار الشراكة بين البلدين. غير أن هذه العودة لا تبدو مجرد استعادة لدفء دبلوماسي سابق، بل تمثل محاولة لإعادة تعريف العلاقة نفسها وفق توازنات جديدة تفرضها التحولات الإقليمية والدولية.

في هذا السياق، تبرز المقاربة الحالية بكونها أكثر عمقًا مقارنة بالمراحل السابقة، إذ لم تعد العلاقات الثنائية قائمة فقط على منطق التعاون التقليدي أو الروابط التاريخية، بل أصبحت رهينة بقدرة الطرفين على صياغة إطار مؤسساتي حديث يضمن الاستمرارية والاستقرار. ومن هنا تأتي أهمية مشروع المعاهدة الثنائية الجديدة، التي يتم إعدادها عبر لجنة مشتركة يقودها من الجانب الفرنسي هوبير فيدرين، ومن الجانب المغربي شكيب بنموسى، في دلالة واضحة على الرغبة في إشراك خبرات سياسية ذات وزن استراتيجي، بدل الاقتصار على المقاربة الدبلوماسية الكلاسيكية.

وتكشف تركيبة “لجنة الحكماء”، التي تضم شخصيات مثل فلورانس بارلي وليلى سليماني، عن توجه نحو دمج البعد الثقافي والفكري في إعادة صياغة العلاقات، بما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن التحديات الراهنة—من الهجرة إلى التحولات المجتمعية—لم تعد تُحل عبر القنوات الرسمية وحدها، بل تتطلب مقاربة متعددة الأبعاد تتقاطع فيها السياسة مع الثقافة والاقتصاد.

وبالمقارنة مع فترات سابقة من التوتر، حيث كانت الخلافات تُدار بشكل ظرفي وتُحل عبر تسويات محدودة، يبدو أن الرهان اليوم أكثر طموحًا، إذ يسعى الطرفان إلى تجاوز منطق رد الفعل نحو بناء رؤية طويلة الأمد. غير أن هذا الطموح يواجه تحديات حقيقية، أبرزها قدرة المعاهدة المرتقبة على التوفيق بين المصالح المتباينة، خاصة في ملفات حساسة كالهجرة والتعاون الأمني، حيث غالبًا ما تظهر فجوات في الأولويات بين الرباط وباريس.

كما أن السياق الدولي يلقي بظلاله على هذه الدينامية الجديدة، إذ لم تعد المغرب تعتمد على شريك واحد، بل تنتهج سياسة تنويع الشراكات، وهو ما يمنحها هامشًا أكبر للمناورة، في حين تسعى فرنسا إلى الحفاظ على موقعها التقليدي في منطقة تعرف تنافسًا متزايدًا من قوى دولية أخرى. هذا التباين في موازين القوة التفاوضية يفرض إعادة ضبط قواعد اللعبة، بحيث تتحول العلاقة من تبعية نسبية إلى شراكة أكثر توازنًا.

في المحصلة، لا تختزل زيارة الدولة المرتقبة في بعدها الرمزي، بل تشكل اختبارًا فعليًا لقدرة البلدين على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد. وبين طموح إعادة التأسيس وواقع التعقيدات الجيوسياسية، سيظل نجاح هذه الخطوة رهينًا بمدى قدرة الطرفين على تحويل النوايا السياسية إلى التزامات عملية قابلة للاستمرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى