
طفرة الصادرات التركية إلى المغرب… ازدهار تجاري أم تعميق للعجز؟
الرباط: ريم بنكرة
تكشف الأرقام الجديدة حول ارتفاع الصادرات التركية إلى المغرب عن مفارقة لافتة: نمو تجاري سريع من جهة، واختلال بنيوي متواصل من جهة أخرى. فبلوغ الواردات المغربية من تركيا أكثر من مليار و26 مليون دولار خلال ربع واحد فقط، بزيادة تناهز 15,8 في المائة، لا يعكس مجرد دينامية تبادل طبيعي بين اقتصادين، بل يسلط الضوء على علاقة غير متكافئة تميل تدريجيا لصالح الطرف الأكثر قدرة على المنافسة.
فعند تفكيك بنية هذه المبادلات، يتضح أن الصادرات التركية لا تقتصر على منتجات تكميلية، بل تمتد إلى قطاعات يفترض أن المغرب راكم فيها خبرة إنتاجية، مثل النسيج والصناعات التحويلية وحتى السيارات.
وهنا تبرز المفارقة الأكثر حدة: كيف لبلد يصدر الجزء الأكبر من إنتاجه الصناعي، خصوصا السيارات، نحو أوروبا، أن يواصل في المقابل استيراد منتجات مماثلة من شريك تربطه به اتفاقية تبادل حر؟ هذا التداخل يكشف أن المسألة لا تتعلق فقط بحجم المبادلات، بل بطبيعتها وقيمتها المضافة داخل الاقتصاد الوطني.
في المقابل، يبدو أن الشركات التركية استطاعت استغلال مزايا الاتفاقية بشكل أكثر فعالية، معتمدة على كلفة إنتاج أقل، وسلاسل صناعية أكثر تكاملا، وقدرة تسويقية تسمح لها باكتساح السوق المغربية تدريجيا. أما المقاولات المغربية، فتجد نفسها في موقع دفاعي، غير قادرة على مجاراة نفس الإيقاع التنافسي، سواء من حيث السعر أو الجودة أو القدرة على التصدير العكسي نحو السوق التركية.
هذا الوضع يعيد طرح سؤال أعمق من مجرد مراجعة بنود اتفاقية التبادل الحر: هل المشكلة في النصوص أم في بنية الاقتصاد ذاته؟ فالدعوات إلى تعديل بعض الشروط أو فرض قيود جزئية تبدو، في نظر عدد من الخبراء، حلولاً مؤقتة لا تمس جوهر الاختلال. كما أن خيار إلغاء الاتفاقية بالكامل يحمل مخاطر مضاعفة، أبرزها فقدان ولوج الصادرات المغربية إلى السوق التركية.
المقارنة مع تجارب مماثلة، سواء مع مصر أو الولايات المتحدة، تكشف نمطا متكررا: اتفاقيات تفتح الأسواق، لكنها لا تضمن بالضرورة توازنا في النتائج. وهو ما يعني أن الخلل لا يرتبط بشريك بعينه، بل بقدرة الاقتصاد المغربي على تحويل الانفتاح التجاري إلى رافعة إنتاجية حقيقية.
في النهاية، لا يبدو أن ميزان القوى في هذه العلاقة سيتغير عبر إجراءات تقنية محدودة، بل يتطلب تحولا أعمق يشمل تحسين تنافسية الإنتاج المحلي، خفض تكاليف الطاقة، تطوير سلاسل القيمة، وإعادة هيكلة سوق الشغل. بدون ذلك، ستظل الأرقام القياسية للواردات مجرد مؤشر على اتساع الفجوة، لا على نجاح الشراكة.





