
أسواق الجملة بين وعود الرقمنة وواقع المضاربة: هل تكفي “النسخة الجديدة” لكسر موجة الغلاء؟
الرباط: ريم بنكرة
لم يعد ارتفاع أسعار الخضر والفواكه مجرد تقلب عابر في السوق، بل تحول إلى مؤشر بنيوي يكشف اختلالات عميقة في منظومة التوزيع، حيث تتداخل المضاربة مع تعدد الوسطاء لتشكل حلقة تضخمية يدفع ثمنها المستهلك. في هذا السياق، جاء تحرك عبد الوافي لفتيت ليضع إصلاح أسواق الجملة في صلب استراتيجية المواجهة، عبر مشروع طموح يقوم على إحداث جيل جديد من هذه المرافق مدعوم برقمنة شاملة.
غير أن القراءة النقدية لهذا التوجه تفرض التمييز بين مستويين: مستوى الخطاب الإصلاحي الذي يعد بإعادة هيكلة شاملة، ومستوى الواقع الذي يطرح تساؤلات حول جدوى الأدوات المقترحة. فإعادة تنظيم الشبكة الوطنية لأسواق الجملة وتحديث تجهيزاتها وتبني نماذج تدبير حديثة تبدو خطوات ضرورية، لكنها تظل غير كافية إذا لم تمس جوهر الإشكال، أي بنية الوساطة التي تسمح بتضخم الأسعار خارج منطق العرض والطلب.
المشروع الحكومي، كما يتم تقديمه، يراهن على خلق توازن بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، وهو هدف ظل غائبًا في النموذج الحالي الذي أبان عن محدوديته. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن تحديث البنية التحتية لا يؤدي تلقائيًا إلى خفض الأسعار، خاصة إذا استمرت نفس الفاعلين في التحكم في سلاسل التوزيع، وإن بأدوات أكثر حداثة.
الرهان على الرقمنة بدوره يحمل مفارقة لافتة. فمن جهة، يُنتظر أن تتيح الأنظمة المعلوماتية تتبع مسار المنتجات وضبط الكميات وتحسين الشفافية، ومن جهة أخرى، يظل نجاحها رهينًا بمدى القدرة على فرض قواعد صارمة على المتدخلين، وهو ما لم يتحقق بشكل كامل في النماذج السابقة. فالتكنولوجيا، مهما بلغت دقتها، لا تعوض غياب الحوكمة الفعلية.
أما على المستوى الترابي، فإن إطلاق مشاريع جديدة في جهات متعددة، من الرباط إلى فاس ومراكش والدار البيضاء، يعكس إرادة لتعميم الإصلاح، لكنه يطرح في المقابل تحدي الزمن والتمويل، خصوصًا وأن بعض هذه المشاريع ما زال في طور الدراسات أو انتظار الاتفاقيات. وهو ما يفتح الباب أمام سيناريو استمرار الاختلالات الحالية لفترة أطول مما يُعلن.
اللافت أيضًا هو التوجه نحو تجميد تعيين وكلاء جدد بشكل مؤقت، في انتظار الإطار القانوني الجديد، وهي خطوة تعكس إدراكًا رسميًا لحساسية موقع الوسيط داخل هذه المنظومة. غير أن هذا الإجراء يظل مؤقتًا، ولا يجيب بشكل نهائي عن سؤال إعادة توزيع الأدوار داخل السوق.
في العمق، يبدو أن الدولة تحاول الانتقال من نموذج تقليدي قائم على تعدد الحلقات إلى نموذج أكثر تنظيمًا وشفافية، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في بناء أسواق جديدة بقدر ما يكمن في تفكيك شبكات الريع التي تراكمت حولها. فهل تنجح “أسواق الجيل الجديد” في كسر هذه الحلقة، أم أنها ستعيد إنتاجها بأدوات رقمية أكثر تطورًا؟





