
ثورة هادئة في قطاع التأمين بالمغرب.. مشروع قانون جديد يراهن على الرقمنة والشمول المالي ويحمي حقوق المؤمن لهم
الرباط: نارمان بنمسعود
يشهد قطاع التأمين بالمغرب مرحلة مفصلية مع إطلاق مشروع قانون جديد لتعديل وتتميم مدونة التأمينات، في خطوة تعكس التحولات العميقة التي يعرفها الاقتصاد الوطني والقطاع المالي على وجه الخصوص. ويأتي هذا المشروع، الذي وضعته وزارة الاقتصاد والمالية وفتحته الأمانة العامة للحكومة أمام العموم لإبداء الملاحظات والتعليقات، استجابة لمتطلبات الرقمنة المتسارعة وتغير سلوك المستهلكين، فضلاً عن الحاجة إلى توسيع قاعدة المستفيدين من خدمات التأمين وتعزيز الشمول المالي.
ويمثل هذا التوجه نقلة نوعية مقارنة بالإطار القانوني الحالي الذي ظل لسنوات يواكب تطور القطاع بشكل تدريجي، لكنه أصبح اليوم مطالباً بالتكيف مع واقع اقتصادي جديد يتسم بالاعتماد المتزايد على الحلول الرقمية والخدمات المالية المبتكرة.
ففي الوقت الذي كانت فيه عقود التأمين التقليدية تهيمن على السوق، يفتح المشروع الباب أمام صيغ أكثر مرونة وبساطة تستهدف فئات واسعة من المواطنين، خاصة ذوي الدخل المحدود والعاملين في القطاع غير المهيكل.
ومن أبرز المستجدات التي يتضمنها المشروع إرساء إطار قانوني خاص بالتأمينات الصغرى، وهو توجه ينسجم مع التجارب الدولية الرامية إلى توسيع الحماية الاجتماعية والمالية لتشمل الفئات الأقل استفادة من خدمات التأمين.
ويُنتظر أن تسهم هذه الآلية في تقريب خدمات التأمين من شرائح اجتماعية كانت تجد صعوبة في الولوج إلى المنتجات التقليدية بسبب تعقيد المساطر أو ارتفاع الكلفة.
كما يقترح النص القانوني تأطير ما يعرف بالتأمينات المدمجة، وهي منتجات تأمينية يتم إدراجها ضمن خدمات أو منتجات أخرى، الأمر الذي يعكس تطور أنماط الاستهلاك الحديثة. وفي هذا السياق، يركز المشروع على تعزيز الشفافية وضمان وضوح العقود وشروطها، بما يتيح للمؤمن لهم فهماً أفضل لحقوقهم والتزاماتهم ويحد من النزاعات المحتملة.
وعلى مستوى حماية المستهلك، يتضمن المشروع مجموعة من الإجراءات التي تمثل تطوراً ملحوظاً مقارنة بالمقتضيات السابقة، من بينها تبسيط مساطر فسخ العقود في حالة عدم أداء الأقساط، وتسهيل التصريح بالحوادث، وتسريع إجراءات التعويض. كما يقترح اعتماد مبالغ جزافية في بعض العقود المتعلقة بالأضرار اللاحقة بالممتلكات، بما يختصر مدة معالجة الملفات ويوفر وضوحاً أكبر للمستفيدين.
وفي المقابل، لم يغفل المشروع الجانب التنظيمي والمؤسساتي للقطاع، حيث يسعى إلى تشديد شروط ممارسة نشاط إعادة التأمين من طرف الفاعلين الأجانب، بما يضمن حماية السوق الوطنية وتعزيز استقرارها المالي.
كما يقترح توحيد التمثيلية المهنية لوسطاء التأمين من خلال جمعية مهنية واحدة ذات عضوية إلزامية، وهو إجراء يهدف إلى تعزيز الحكامة وتحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين.
ويبرز الجانب الابتكاري كأحد أهم عناصر الإصلاح المقترح، من خلال استحداث مفهوم “صندوق التجارب”، الذي يتيح للشركات اختبار منتجات وتقنيات جديدة في بيئة تنظيمية مرنة وتحت إشراف هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي. ويعد هذا الإجراء من الممارسات المعتمدة في عدد من الأسواق المالية المتقدمة، حيث يشكل حاضنة للابتكار ويساعد على تطوير حلول تأمينية تتلاءم مع متطلبات العصر الرقمي.
وتكشف قراءة تحليلية لمضامين المشروع أن المغرب يسعى إلى الانتقال من نموذج تأمين تقليدي يركز على العقود الكلاسيكية إلى نموذج أكثر انفتاحاً ومرونة يعتمد الرقمنة والابتكار والشمول المالي كركائز أساسية للنمو.
كما أن الإصلاحات المقترحة لا تستهدف فقط تحديث الإطار القانوني، بل تروم أيضاً تعزيز ثقة المواطنين في قطاع التأمين وتوسيع مساهمته في تعبئة الادخار وتمويل الاقتصاد الوطني.
وفي حال المصادقة على هذه التعديلات، فإن سوق التأمين المغربية ستكون أمام مرحلة جديدة من التطور، عنوانها التوازن بين حماية المستهلك وتشجيع الاستثمار والابتكار، بما ينسجم مع الرهانات الاقتصادية والاجتماعية التي ترفعها المملكة خلال السنوات المقبلة.




