قانون فرنسي يهز مراكز النداء المغربية.. آلاف الوظائف على حافة المجهول والحكومة في سباق مع الزمن

الرباط: المهدي الجرباوي

لم يعد قطاع مراكز النداء في المغرب يواجه مجرد تغيير في قواعد السوق، بل يقف أمام تحول جذري يهدد أحد أبرز القطاعات المستفيدة من خدمات الترحيل (Offshoring).

فمع اقتراب دخول القانون الفرنسي الجديد، الذي يمنع الاتصالات التسويقية غير المرغوب فيها دون موافقة مسبقة من المستهلك، بدأت أولى التداعيات تظهر ميدانيا عبر موجة من تسريح المستخدمين، في مؤشر يكشف هشاشة النموذج الاقتصادي الذي ظل يعتمد لسنوات على السوق الفرنسية.

وبينما تراهن فرنسا على تعزيز حماية خصوصية المستهلكين، يجد آلاف العاملين المغاربة أنفسهم أمام مستقبل مهني غامض، بعدما شرعت شركات عديدة في تقليص مواردها البشرية حتى قبل دخول القانون حيز التنفيذ. وتشير معطيات نقابية إلى أن عمليات التسريح تتم في بعض الحالات دون احترام المساطر القانونية، وهو ما يفتح الباب أمام نزاعات اجتماعية وقضائية مرشحة للتصاعد.

الكاتب العام للجامعة الوطنية لمستخدمي وأطر مراكز النداء ومهن الأوفشورينغ التابعة للاتحاد المغربي للشغل، أيوب سعود، أكد أن القطاع يعيش أزمة حقيقية سبق للنقابة أن حذرت من تداعياتها، مشيرا إلى أن عددا من الشركات بدأ فعليا في الاستغناء عن المستخدمين، بينهم أجراء راكموا سنوات طويلة من الخبرة، دون الالتزام بالإجراءات القانونية المنظمة لإنهاء عقود الشغل.

وتتجاوز الأزمة حدود فقدان الوظائف، إذ تكشف أيضا عن إشكال قانوني يتعلق بتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد بعض الشركات الأجنبية التي غادرت السوق أو امتنعت عن تنفيذ قرارات القضاء المغربي، وهو ما يطرح تساؤلات حول فعالية آليات حماية حقوق الأجراء في مواجهة مستثمرين عابرين للحدود.

في المقابل، ترى الحكومة أن التحدي يتجاوز الظرفية الحالية، بعدما حذرت من احتمال تأثر ما بين 40 و50 ألف منصب شغل، خاصة داخل المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري للقطاع.

ولهذا أعلنت عن خطة لإعادة توجيه النشاط نحو أسواق جديدة في أوروبا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، مع تشجيع الشركات على الانتقال من خدمات التسويق الهاتفي التقليدية إلى أنشطة ذات قيمة مضافة، مثل الدعم التقني، وإدارة علاقات الزبناء، والخدمات الرقمية المؤتمتة.

غير أن هذا التحول لا يبدو سهلا ولا سريعا، فالمنافسة الدولية أصبحت أكثر شراسة، كما أن الذكاء الاصطناعي يفرض بدوره واقعا جديدا، بعدما بدأت كبريات الشركات تعتمد حلولا رقمية تقلص الحاجة إلى الموارد البشرية، الأمر الذي يضاعف الضغوط على سوق الشغل داخل القطاع.

ومن جانب أرباب العمل، يسود اقتناع بأن القرار الفرنسي يعكس تغيرا عميقا في سلوك المستهلك، الذي لم يعد يتقبل المكالمات التسويقية العشوائية، ما يجعل العودة إلى النموذج التقليدي أمرا مستحيلا. ولذلك، فإن الشركات الكبرى بدأت منذ فترة في إعادة هيكلة أنشطتها، بينما تظل المقاولات الصغيرة الأكثر عرضة للخسائر بسبب اعتمادها شبه الكامل على التسويق الهاتفي.

ورغم أن قطاع مراكز النداء نجح خلال السنوات الماضية في استقطاب استثمارات مهمة تجاوزت 1.3 مليار درهم سنة 2023، وأسهم في خلق آلاف فرص الشغل، فإن الأزمة الحالية تكشف أن الاعتماد المفرط على سوق واحدة ونشاط واحد يجعل أي تغيير تشريعي خارج الحدود قادرا على إرباك قطاع كامل داخل المغرب.

وبين التحولات القانونية في فرنسا، والتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، وبطء الانتقال نحو خدمات أكثر تطورا، تبدو مراكز النداء المغربية أمام اختبار مصيري: إما إعادة ابتكار نموذجها الاقتصادي والانفتاح على أسواق وخدمات جديدة، أو مواجهة نزيف اجتماعي قد يعيد رسم خريطة هذا القطاع الحيوي خلال السنوات المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى