
بين لغة الأرقام وأسئلة الأثر.. هل تعكس حصيلة مجلس النواب أداءً نوعياً أم إنجازاً إجرائياً؟
الرباط: إدريس بنمسعود
أسدل مجلس النواب الستار على الدورة الثانية من السنة التشريعية الخامسة، منهياً بذلك الولاية التشريعية الحادية عشرة وسط عرض رسمي لحصيلة وُصفت بأنها غنية بالإنجازات التشريعية والرقابية والمؤسساتية.
غير أن القراءة المقارنة لهذه الأرقام تفتح الباب أمام نقاش أوسع حول الفارق بين كثافة الإنتاج البرلماني ومدى انعكاسه الفعلي على حياة المواطنين وجودة السياسات العمومية.
وأكد رئيس مجلس النواب، راشيد الطالبي العلمي، أن المؤسسة التشريعية راكمت خلال الولاية رصيداً مهماً من القوانين والمبادرات، مشيراً إلى أن البرلمان صادق على 237 مشروع قانون خلال 128 جلسة، بينها نصوص اعتُبرت مؤسسة لإطلاق خدمات اجتماعية من الجيل الجديد.
كما شدد على أن تقييم الحصيلة لا ينبغي أن يقتصر على عدد القوانين، بل يجب أن يشمل طبيعتها وأثرها الاستراتيجي، خاصة أن أكثر من ربع النصوص المصادق عليها تندرج ضمن القوانين التأسيسية.
وفي المقابل، تكشف المقارنة بين المؤشرات أن النشاط التشريعي لم يقتصر على المصادقة، إذ تقدم النواب بأكثر من 14 ألف تعديل، تمت الموافقة على أكثر من 2700 منها، إلى جانب تقديم أكثر من 400 مقترح قانون، غير أن 65 مقترحاً فقط سلكت المسطرة التشريعية، وهو ما يعيد طرح التساؤلات حول مدى قدرة المبادرات البرلمانية على التحول إلى تشريعات نافذة مقارنة بالمشاريع الحكومية.
وعلى مستوى الرقابة، سجل المجلس عقد 125 جلسة خصصت لمناقشة نحو 3991 سؤالاً شفوياً، بينما تجاوز عدد الأسئلة الكتابية 32 ألف سؤال، أجابت الحكومة عن حوالي 62 في المائة منها.
ورغم أن هذه الأرقام تعكس حيوية العمل الرقابي، فإنها تثير في المقابل نقاشاً حول نسبة التفاعل الحكومي مع الأسئلة البرلمانية، ومدى تأثير هذا التفاعل في تحسين الأداء التنفيذي والاستجابة لانشغالات المواطنين.
كما ركزت الرقابة البرلمانية على ملفات ذات أولوية، من بينها الصحة والتغطية الاجتماعية والتعليم والدعم الاجتماعي والماء والفلاحة والاستثمار والبنيات التحتية والشباب والرياضة، وهي قطاعات ما تزال تواجه تحديات ميدانية تجعل تقييم الأداء مرتبطاً بنتائج السياسات أكثر من عدد جلسات المساءلة.
وفي مجال تقييم السياسات العمومية، أنجز المجلس خمس عمليات تقييم خلال خمس سنوات، أفضت إلى أكثر من 500 توصية شملت ملفات ذات تأثير مباشر على الاقتصاد والخدمات العمومية، من بينها لأول مرة تقييم شروط تنزيل قانون محاربة العنف ضد النساء.
ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها انتقالاً تدريجياً من التشريع والرقابة التقليدية إلى تقييم فعالية القوانين بعد دخولها حيز التنفيذ.
أما على مستوى الحكامة الداخلية، فقد واصل المجلس تحديث نظامه الداخلي عبر ثلاث مراجعات متتالية، شملت مدونة الأخلاقيات، والتصريح بالممتلكات، وحالات التنافي، وآليات التجريد من العضوية، إلى جانب تطوير المسطرة التشريعية وتعزيز التعاون مع المؤسسات الدستورية، في مسعى لمواءمة الممارسة البرلمانية مع متطلبات الشفافية والنجاعة.
وفي جانب الانفتاح، واصل مجلس النواب توسيع رهانه على الرقمنة والتواصل مع المجتمع، من خلال تعزيز البرلمان الإلكتروني، والانخراط في مبادرة الحكومة المنفتحة، وتنظيم برلمان الطفل المغربي، وترسيخ تقاليد التشاور العمومي وجائزتي الدراسات والصحافة البرلمانية.
وبين الأرقام التي تقدمها المؤسسة التشريعية باعتبارها مؤشراً على دينامية العمل البرلماني، وبين انتظارات المواطنين التي تقاس بمدى انعكاس التشريعات والرقابة على واقعهم اليومي، يبقى التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة هو الانتقال من منطق حصيلة الإنجاز إلى منطق قياس الأثر، باعتباره المعيار الأكثر دقة للحكم على أداء أي مؤسسة تشريعية.





