
الاقتصاد المغربي يستعيد أنفاسه.. الأسر تقود النمو والتضخم المنخفض يعزز الثقة في المستقبل
الرباط: المهدي الجرباوي
يواصل الاقتصاد المغربي إرسال إشارات إيجابية تعكس تحسناً تدريجياً في عدد من المؤشرات الأساسية، حيث تؤكد أحدث معطيات الظرفية الاقتصادية لشهر ماي أن الطلب الداخلي، مدعوماً بالاستهلاك الأسري، ما يزال يشكل المحرك الرئيسي لعجلة النمو، مستفيداً من الإجراءات الحكومية الرامية إلى دعم القدرة الشرائية ومن الانتعاش الذي يشهده العالم القروي بفضل موسم فلاحي واعد.
وتبرز هذه الدينامية الاقتصادية في سياق يتسم باستقرار الأسعار وتحكم ملحوظ في معدلات التضخم، التي استقرت عند 1.7 في المائة مع نهاية شهر أبريل 2026، وهو مستوى يعتبر منخفضاً مقارنة بالسنوات الأخيرة التي شهدت ضغوطاً تضخمية قوية. كما ساهمت عوامل أخرى في تعزيز الطلب الداخلي، من بينها ارتفاع تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج بنسبة 11.7 في المائة، إلى جانب نمو القروض الاستهلاكية بنسبة 3.9 في المائة، ما وفر للأسر المغربية هامشاً أكبر للإنفاق والاستهلاك.
ويرى عدد من الخبراء الاقتصاديين أن استهلاك الأسر لا يزال يشكل الدعامة الأساسية للنمو الاقتصادي الوطني، في ظل تحسن المداخيل واستقرار الأسعار، خاصة بالمناطق القروية التي استفادت بشكل مباشر من النتائج الإيجابية للموسم الفلاحي الحالي.
ويؤكدون أن استمرار هذه الدينامية رهين بالحفاظ على القدرة الشرائية للأسر وتجنب أي صدمات جديدة قد تنجم عن تقلبات الأسواق الدولية أو ارتفاع أسعار المواد الأساسية والطاقة.
ويُجمع المتتبعون على أن تحسن الدخل، سواء بفعل النتائج الجيدة للقطاع الفلاحي أو نتيجة الزيادات التي أقرتها الحكومة في إطار الحوار الاجتماعي، بدأ ينعكس تدريجياً على مستوى معيشة المواطنين. كما أن انخفاض التضخم يجعل أثر هذه الزيادات أكثر وضوحاً مقارنة بفترات سابقة كانت فيها الأسعار ترتفع بوتيرة أسرع من نمو الأجور.
ورغم أن التضخم بات تحت السيطرة وفق المؤشرات الحالية، فإن الخبراء يحذرون من استمرار بعض المخاطر الخارجية، خصوصاً تلك المرتبطة بارتفاع أسعار النفط عالمياً وتداعيات التوترات الجيوسياسية التي قد تنعكس على تكاليف النقل والإنتاج، وبالتالي على الأسعار في السوق الوطنية.
وفي المقابل، تشكل عودة القطاع الفلاحي إلى الواجهة أبرز المستجدات الإيجابية خلال سنة 2026، بعدما أعادت التساقطات المطرية الحيوية إلى هذا القطاع الاستراتيجي. وتشير التوقعات إلى إمكانية تحقيق ارتفاع مهم في القيمة المضافة الفلاحية قد يصل إلى 14 في المائة، وهو ما من شأنه أن ينعكس ليس فقط على النمو الاقتصادي، بل أيضاً على سوق الشغل التي عانت خلال سنوات الجفاف من فقدان آلاف مناصب العمل.
وتؤكد المؤشرات المتوفرة أن مختلف القطاعات الإنتاجية تواصل أداءها الإيجابي، بما في ذلك القطاعات التصديرية، رغم بعض التراجع المسجل في قطاع الفوسفاط. غير أن التحدي الأكبر الذي ما يزال يواجه الاقتصاد الوطني يتمثل في محدودية خلق فرص الشغل، حيث تظل معدلات البطالة مرتفعة، وهو الملف الذي ينتظر حلولاً أكثر نجاعة خلال المرحلة المقبلة.
كما يبرز الطلب الداخلي، المدعوم بالاستهلاك الأسري والاستثمار العمومي، كأحد أهم عوامل الصمود الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة، رغم الضغوط التي تعرضت لها الأسر المغربية نتيجة الأزمات العالمية المتتالية. وقد ساعدت الإصلاحات الجبائية التي باشرتها الدولة على توفير هوامش مالية مكنت من تمويل إجراءات اجتماعية مهمة، من بينها تحسين الأجور وتخفيف بعض الأعباء عن المواطنين.
غير أن هذا التحسن لا يخفي وجود اختلالات بنيوية، أبرزها ضعف مساهمة القطاع الخاص في تحسين مستويات الأجور، إلى جانب استمرار اتساع دائرة التشغيل غير المهيكل، التي تضم نسبة كبيرة من اليد العاملة المغربية، وهو ما يحد من انعكاس النمو الاقتصادي على مختلف الفئات الاجتماعية بالشكل المطلوب.
وبين موسم فلاحي استثنائي، وتضخم منخفض، وتحسن نسبي في الدخول، تبدو سنة 2026 واعدة بالنسبة للاقتصاد المغربي.
إلا أن نجاح هذه المؤشرات في إحداث أثر ملموس ومستدام على الحياة اليومية للمواطنين سيظل مرتبطاً بقدرة الاقتصاد الوطني على خلق فرص شغل كافية، وتعزيز تنافسية القطاع الخاص، والحفاظ على الاستقرار السعري في مواجهة التقلبات الدولية.




