زلزال هادئ في وزارة المالية.. هل تعيد تعيينات لقجع رسم مراكز النفوذ داخل الإدارة المالية؟

الرباط: إدريس بنمسعود

تستعد وزارة الاقتصاد والمالية لدخول مرحلة جديدة من إعادة ترتيب هياكلها الإدارية، من خلال حركة تعيينات مرتقبة في عدد من المناصب العليا الحساسة، في خطوة تتجاوز مجرد ملء مناصب شاغرة لتطرح تساؤلات أوسع حول طبيعة التحولات التي تعرفها دواليب القرار المالي بالمملكة، وحول الكفاءات التي ستقود الملفات الاستراتيجية خلال السنوات المقبلة.

وبحسب معطيات متداولة، يبرز اسم عزيز الخياطي، مدير الميزانية بوزارة الاقتصاد والمالية، كأحد أبرز المرشحين لتولي منصب الكاتب العام للوزارة، وهو المنصب الذي يعتبر بمثابة العمود الفقري للإدارة المركزية والمسؤول عن التنسيق بين مختلف المديريات والسهر على تنزيل التوجهات الحكومية في المجالين المالي والاقتصادي.

ولا يكتسي هذا الترشيح أهمية فقط من زاوية التدرج الإداري الطبيعي، بل من حيث الدلالات التي يحملها في سياق التحولات التي تعرفها الوزارة خلال السنوات الأخيرة. فقد راكم الخياطي تجربة طويلة داخل مديرية الميزانية، إحدى أكثر المؤسسات تأثيراً في صناعة القرار العمومي، بالنظر إلى دورها المحوري في إعداد قوانين المالية وتتبع تنفيذ الميزانية العامة للدولة ومواكبة الإصلاحات الكبرى المرتبطة بالإنفاق العمومي.

ويرى متابعون للشأن المالي أن بروز أسماء من قلب الإدارة التقنية للوزارة يعكس توجهاً نحو تعزيز منطق الكفاءة والخبرة المتخصصة في تدبير الملفات المعقدة، خصوصاً في مرحلة تواجه فيها المالية العمومية تحديات متعددة تتعلق بتمويل المشاريع الكبرى، وضبط التوازنات الماكرو اقتصادية، ومواكبة الأوراش الاستراتيجية المرتبطة بالبنية التحتية والاستثمار والحماية الاجتماعية.

وتكتسب هذه التعيينات بعداً إضافياً بالنظر إلى المكانة التي أصبح يحتلها فوزي لقجع داخل منظومة تدبير المالية العمومية، حيث تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز مهندسي السياسات الميزانياتية والإصلاحات المالية. ومن هذا المنطلق، فإن صعود مسؤولين اشتغلوا لسنوات داخل الدائرة المهنية المحيطة به يُقرأ من طرف عدد من المراقبين باعتباره سعياً إلى ضمان استمرارية الرؤية التدبيرية نفسها، وتسريع تنفيذ المشاريع والإصلاحات التي تم إطلاقها خلال الولاية الحكومية الحالية.

ولا تقتصر الحركة المرتقبة على منصب الكاتب العام، بل تمتد إلى مديريات استراتيجية من قبيل مديرية الميزانية ومديرية أملاك الدولة، وهما مؤسستان تلعبان دوراً محورياً في تدبير الموارد المالية والعقارية للدولة. ومن شأن أي تغيير على مستوى قيادتهما أن ينعكس بشكل مباشر على آليات اتخاذ القرار وعلى طريقة تدبير ملفات الاستثمار العمومي وتثمين الأصول العقارية للدولة.

وفي قراءة مقارنة مع محطات سابقة عرفتها وزارة الاقتصاد والمالية، تبدو التعيينات الحالية مختلفة من حيث السياق والرهانات. ففي السابق كانت الحركات الإدارية تركز غالباً على ضمان استمرارية المرفق الإداري، بينما تأتي التغييرات المرتقبة اليوم في ظل أوراش وطنية ضخمة تتطلب إدارة مالية أكثر سرعة وفعالية، سواء تعلق الأمر بمشاريع البنية التحتية الكبرى أو الاستعدادات المرتبطة بالتظاهرات الدولية أو مواصلة تنزيل ورش الدولة الاجتماعية.

كما أن إعادة تشكيل خريطة المسؤوليات داخل الوزارة لا يمكن فصلها عن التحولات التي تعرفها الإدارة العمومية المغربية بشكل عام، حيث أصبح الرهان منصباً على استقطاب الكفاءات القادرة على تحقيق النجاعة التدبيرية وربط المسؤولية بالنتائج، في ظل تصاعد مطالب تحسين الأداء العمومي وترشيد النفقات وتعزيز جاذبية الاستثمار.

وفي انتظار الحسم الرسمي في هذه التعيينات خلال أحد المجالس الحكومية المقبلة، يبقى المؤكد أن وزارة الاقتصاد والمالية مقبلة على مرحلة إعادة تموقع داخلية قد تعيد رسم موازين التأثير الإداري، وتفرز جيلاً جديداً من المسؤولين الذين سيقودون أهم الملفات المالية والاقتصادية للمملكة خلال السنوات القادمة، في لحظة دقيقة تتقاطع فيها رهانات الإصلاح مع متطلبات الحفاظ على التوازنات المالية وتحفيز النمو الاقتصادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى