نمو بـ5.2%.. هل يقترب المغرب من الإقلاع الاقتصادي أم أن الأرقام تسبق واقع المواطنين؟

الرباط: المهدي الجرباوي

تتجه الحكومة المغربية إلى رفع سقف التفاؤل بشأن أداء الاقتصاد الوطني خلال سنة 2026، مع توقعات ببلوغ معدل نمو يصل إلى 5.2 في المائة، وهو مستوى لم يتحقق منذ سنوات طويلة.

وتستند هذه الرهانات إلى مؤشرات اقتصادية توحي بعودة الدينامية إلى عدد من القطاعات الإنتاجية، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بإمكانية تحقيق هذا الرقم، بل بمدى قدرته على إحداث تحول حقيقي في حياة المواطنين وفي سوق الشغل والقدرة الشرائية.

وتؤكد الحكومة أن الاقتصاد المغربي يسير في منحى تصاعدي واضح، مستشهدة بارتفاع معدل النمو من 1.8 في المائة سنة 2022 إلى 3.7 في المائة سنة 2023، ثم 4.4 في المائة سنة 2024، قبل أن يقترب من 5 في المائة خلال سنة 2025.

وتعتبر أن هذه النتائج تعكس نجاعة السياسات العمومية والإصلاحات الاقتصادية التي تم اعتمادها خلال السنوات الأخيرة، ما يجعل بلوغ نسبة 5.2 في المائة خلال سنة 2026 هدفا واقعيا أكثر منه مجرد توقع متفائل.

غير أن قراءة هذه المؤشرات من زاوية مقارنة تبرز أن الاقتصاد المغربي ظل لسنوات رهينة تقلبات المناخ وضعف النمو الفلاحي، بينما يشهد اليوم تحولا تدريجيا نحو الاعتماد على قطاعات صناعية وخدماتية أكثر استقرارا.

فقد أصبحت صناعات السيارات والطيران والإلكترونيات والنسيج والصناعات الغذائية، إلى جانب السياحة والفوسفاط والخدمات، تشكل محركات أساسية للنمو، وهو ما يعكس تطورا في بنية الاقتصاد الوطني مقارنة بالعقد الماضي الذي كانت فيه الفلاحة المحدد الرئيسي لمستويات النمو.

ويبدو أن الموسم الفلاحي الحالي يمنح دفعة إضافية لهذا التوجه، بعدما ساهمت التساقطات المطرية المهمة في تحسين الإنتاج الزراعي بشكل لافت. فالتوقعات تشير إلى محصول حبوب قد يتجاوز 90 مليون قنطار، مقابل مستويات تراوحت بين 30 و40 مليون قنطار خلال سنوات الجفاف المتتالية. كما ينتظر أن ترتفع القيمة المضافة للقطاع الفلاحي بأكثر من 15 في المائة، ما سيعزز بشكل مباشر المؤشرات الاقتصادية العامة.

لكن، ورغم هذه المعطيات الإيجابية، فإن المقارنة بين النمو الاقتصادي والمؤشرات الاجتماعية تطرح مفارقة واضحة.

فالمغرب سبق أن سجل معدلات نمو مهمة في فترات سابقة دون أن ينعكس ذلك بالقدر الكافي على التشغيل أو على تحسين أوضاع فئات واسعة من المواطنين. لذلك يرى عدد من الخبراء أن التحدي لم يعد يتمثل في تحقيق نسب نمو مرتفعة فقط، وإنما في ضمان أن يكون هذا النمو منتجا للثروة وفرص الشغل وقادرا على تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

وفي هذا السياق، يبرز نقاش متزايد حول ما يسمى بـ”جودة النمو”. فالنمو الذي لا يساهم في امتصاص البطالة، ولا يعزز القدرة الشرائية للأسر، ولا يدعم الطبقة المتوسطة، يبقى محدود الأثر مهما كانت نسبته. كما أن استمرار إفلاس عدد من المقاولات الصغرى والمتوسطة وارتفاع معدلات البطالة في صفوف الشباب يطرحان تساؤلات حول مدى استفادة الاقتصاد الحقيقي من التحسن المسجل في المؤشرات الماكرو-اقتصادية.

وإذا كانت توقعات النمو لسنة 2026 تعكس بلا شك تحسنا في الأداء الاقتصادي الوطني، فإن الحكم الحقيقي على نجاح هذه المرحلة سيظل مرتبطا بقدرة الاقتصاد المغربي على تحويل الأرقام إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. فبين منطق المؤشرات الرسمية ومنطق الواقع الاجتماعي، يبقى الرهان الأكبر هو جعل النمو الاقتصادي أداة للتنمية الشاملة وليس مجرد رقم يضاف إلى التقارير والإحصائيات.

وعليه، فإن بلوغ عتبة 5.2 في المائة قد يمثل مؤشرا إيجابيا على تعافي الاقتصاد الوطني، لكنه لن يكون كافيا بمفرده للحكم على نجاح السياسات الاقتصادية، ما لم يترجم إلى فرص عمل جديدة، وتحسن في مستوى العيش، وتعزيز للعدالة الاجتماعية.

فالمغاربة لا ينتظرون نموا أكبر فقط، بل ينتظرون نموا يشعرون بثماره في تفاصيل حياتهم اليومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى